الأخبار العاجلة

زها حديد.. صانعة معمار المستقبل

كريم النجار

موهبة فريدة ونادرة، حيرت الكثير من المعماريين في العالم، في كسرها شكل العمارة التقليدية (العمودية والأفقية) وفي الهياكل والمواد البنائية والديكورات والإكسسوارات المستعملة. تارة ترى بنايتها كأنها محطة فضائية تهبط على اليابسة، وأخرى تأخذ شكل المربعات التركيبية، أو الأشكال المخروطية السابحة في الفضاء، أو تلك المائلة بشكل حاد إلى إحدى الجهات من دون ركائز ثابتة، أبنية لم تخطر على خيال كبار السورياليين، أو صانعي عمارة المستقبل، ليس في ذهنها عوائق الفيزياء والزوايا الحادة والجدران العمودية الثابتة. أنها نتاج عقل المهندسة المعمارية زها حديد، ابنة الوزير والسياسي العراقي الراحل محمد حديد، هذه المرأة «الخارقة» في صلابة ابتكاراتها المتعددة الأشكال والأنواع، والمبدعة الاستثنائية التي وضعت بصماتها على الكثير من فضاءات وأبنية المدن العالمية، وحازت الأوسمة والجوائز والشهادات الدولية العليا.
بالرغم من أنها غادرت العراق منذ وقت مبكر وهي بعدها فتاة صغيرة حالمة، إلا أنها لم تنسَ جذورها «العراقية» وبداية تفتح وعيها على شكل المدينة التي عاشتها وتضاريس البلد الذي ولدت فيه، وتقول عن بداياتها في أحد اللقاءات الصحافية معها:»أتذكر، وأنا طفلة لا يتعدى عمرها السادسة أن والديّ اصطحباني إلى معرض خاص بـ «فرانك لويد رايت» في دار الأوبرا في بغداد، وأذكر أنني انبهرت حينها بالأشكال والأشياء التي شاهدتها. فقد كان والداي شغوفين بالمعمار، لكن من بعيد. كما أذكر إجازاتنا في منطقة الأهوار، جنوبي العراق، التي كنا نسافر إليها عبر مركب صغير، كنت أنبهر بطبيعتها، وخصوصاً بانسياب الرمل والماء والحياة البرية التي تمتد على مرمى العين، فتضم كل شيء حتى البنايات والناس. أعتقد إن هذا العنصر المستوحى من الطبيعة وتمازجها مع العالم الحضري، ينسحب على أعمالي، فأنا أحاول دائماً التقاط تلك الانسيابية في سياق حضري عصري…». ومن خلال انطباعاتها الأولية هذه عن الطبيعة وانسيابية تضاريسها المختلفة، سواء في بلدها الأم، ولاحقاً في لبنان حيث دراسة الرياضيات الجامعية، مما أثر على انفتاح تفكيرها في كسر نمط العمارة التقليدية، وذهبت بعيداً في تفكيك عناصر ومرتكزات هذه العمارة.
محمولات ورموز أبنيتها تستلها دائماً من البيئة والتقاليد المعاشة، وإن جاءت بأشكال غريبة توحي كأن لا صلة لها بطبيعة المكان، لكنها محملة بالكثير من عناصر تلك البيئة، كتصميم جسر الشيخ زايد، ودار الأوبرا في أبو ظبي، المستوحاة من تضاريس وتلال الرمال المتحركة في الصحراء الإماراتية، حيث شكلت عبرهما انسجاماً هارمونياً ساحراً مع فضاءات المكان والمياه التي تحيطهما، وكأنهما إنشاءات منزلة من الأعلى، وليس مشيدة على الأرض.

إستاد «الوكرة».. وفرج المرأة!!
أثارت الصحافة الصفراء البريطانية، اللغط على شكل التصميم الذي نفذته زها حديد لإستاد ملعب الوكرة القطري، الذي يعد واحداً من أهم الملاعب التي ستستضيف بطولة كأس العالم العام 2022 في الدوحة، ووصفته شبيهاً بـ (فرج المرأة)، وجاء هذا اللغط واللعب على وتيرة (التابو والحساسية والتحريم) لضرب عصفورين بحجر، أولاً غيرة البعض من النجاحات الهائلة والتقييم الذي حصلت عليه الفنانة المعمارية زها حديد بمعظم تصاميمها، وثانياً الضرب تحت الحزام لنجاح قطر في الفوز بتنظيم بطولة كأس العالم لكرة القدم التي نافستها بريطانيا عليها ولم تنجح، فأخذت صحفها بالتشكيك تارة بعدم نجاح قطر بتنظيم هذه البطولة، أو تقديم رشى لأعضاء اتحاد الكرة الدولي… الخ، وأخيراً في شكل تصميم ملعب الوكرة. أو كما وصفه الناقد المعماري أوليفر ينرايت في صحيفة «الغارديان» إن تشبيه ملعب الوكرة بالمهبل لن يكون مسلياً للقطريين ودول الخليج الأخرى، خصوصاً المتشددة منها.
لكن زها حديد وبما عرف عنها من صلابة ودقة في العمل وتفسير كل خط وفضاء تعمله، أسكتت تلك الأصوات النشاز بقولها الشهير (أكلّ فتحة «فرج امرأة»؟!) معقبة على ذلك بالقول «إنه لأمر مخجل أن يتم اختصار هذا الصرح الرياضي في هذا التشبيه الغريب، ماذا قالوا عن إستاد الوكرة ؟ هل حقاً قالوا إنه يشبه فرج المرأة؟ وهل كل شيء به فتحة هو فرج امرأة ؟ إنه أمر سخيف ومضحك».
وكما لم تسلم في الآونة الأخيرة من الانتقادات لأجل تخفيف المبالغة في تصميم الخطوط المنحنية الحادة، التي جاءت عبر تصميمها ملعب (طوكيو الأولمبي) الذي شبهه بعض المعماريين اليابانيين التقليديين (بقبعة راكبي الدراجات) والمبالغة في ميزانيته التكليفية التي تصل إلى 1.8 مليار جنيه إسترليني. لكن هذا الملعب يعد أكبر مرتين إلى ثلاث في حجمه من الملعبين الأولمبيين في لندن وأثينا، وتصميمه فريد من نوعه كونه يأخذ من الحداثة اليابانية التي فاقت صناعاتها وابتكاراتها الكثير، إضافة إلى الانسيابية المعبرة في الشكل المخروطي الأفقي للملعب، كما أنه مصمم من مقاطع حديدية خفيفة ومتماسكة وهيكله أشبه بجسر حيوي يخلق رحلة مثيرة للزوار.
ويأتي تصميمها الخيالي الرائع لمدينة المعارض في القاهرة (Cairo Expo) على مساحة 450000 متر مربع تقع بين وسط القاهرة ومطار المدينة، ويضم المشروع معرضاً دولياً كبيراً وقاعات مؤتمرات ومراكز ترفيه وفندق لرجال الأعمال وبرج مكاتب تجارية ومركز تسوق، ويأخذ التصميم العام شكل تموجات مائية تمزج بين ضفاف نهر النيل ومسطحات الأرض المحيطة به. حيث تقول حديد، أن دينامية تدفق مياه نهر النيل أعطاها الالهام في تصميم هذا المكان الكبير والمتعدد الأغراض، وحيث تتلاقى الأمواج كمنحوتات متصلة مع بعضها مشكلة الأبراج الزجاجية ذات التدرجات المتناغمة، كونها قطعة موسيقية شرقية معزوفة مع آلات مختلفة.
استلهمت المعمارية زها حديد الكثير من أعمالها، من شكل الحرف العربي ذي الانسيابية الخطية التي تتيح للمصمم الحرية في تكوين الأشياء والتلاعب بالكتلة والنسب والأبعاد، وبالتأكيد لعبت التكنولوجيا الحديثة، وما تتيحه برامج التصميم الالكترونية في شحذ مخيلة الفنان ذي الرؤية الحاذقة، في أن يطوّع هذه الأفكار والرؤى لأغراض التصميم الحديث، وتقول حديد عن امكانية الحرف العربي في التصميم:
(راحت بعض الحركات الفنية المعنية بالتجريد تنظر إلى الفن المجازي وإلى تجريدات هندسية مثل الخطوط العربية. أنا متأكدة تماماً من أن الروس ـ وخصوصاً مالفيتش ـ نظروا إلى هذه الخطوط، كذلك هو الحال مع فن كاندينسكي، لكن أول من اكتشف الآصرة هو كولهاس، حين لاحظ أن طلبة المعمار العرب والإيرانيين (وأنا واحدة منهم) قادرون على عمل تعبيرات منحنية أكثر من غيرهم، مما جعله يفكر أن ذلك ناجم عن خط الكتابة العربية نفسه. وخط الكتابة الذي نراه اليوم في المخططات المعمارية له صلة بتصور التجزؤ في الفضاء.).
لقد فاقت تصاميم زها حديد المنفذة بحدود الـ 1000 مشروع مختلف في دول عديدة، مروراً بدول أوروبية غربية وشرقية، وحتى شرق آسيا واليابان والشرق الأوسط وأفريقيا وأميركا، هذا الكم والاهتمام الواسع من لدن مخططي المدن والإنشاءات أعطاها الدافع في تقديم المزيد من الإبداع في تنفيذ شتى التصاميم الهندسية التي تكسر التقليد وتبتكر الأشكال التي تفوق الخيال في مجمل الاختصاصات، فهي لم تركن للتصاميم المعمارية وحدها برغم اختصاصها به، بل اشتغلت على الديكور والإكسسوارات، من الأحذية والحقائب والأثاث والثريات والكرستال والسيارات والمراكب البحرية وأشياء عديدة أخرى.
كم نتمنى أن نرى بصمات هذه الثروة (العراقية) الوطنية على العديد من التصاميم المعمارية في بغداد ومدن العراق، حيث الحاجة الملحة لإنشاء دار أوبرا مهمة على ضفاف دجلة، والكثير من المسارح والسينمات والفنادق والأبنية التي تليق بالعاصمة بغداد، تلك التي كنا نتغنى بأمجادها ذات يوم، والتي تعبث بها الآن الكثير من الأبنية والتصاميم العشوائية والساحات والشوارع المتهالكة. دعوة حقيقية لحكومتنا والمسؤولين القائمين على التخطيط، للاستفادة من هذه الموهبة العالمية الفذة، إضافة إلى الكثير من المواهب المعمارية المتغربة.
وقد جاء ردها مرة على سؤال يتعلق عن اشتياقها لبغداد، قائلة:»نعم اشتاق إلى بغداد، فقد كان لدينا بيت جميل يعود إلى الثلاثينيات بقطع أثاث من الخمسينيات.. البيت ما يزال قائماً ببغداد. أشتاق أيضاً إلى حي الحدائق، هذا الحي الذي تتراص عليه بيوت عصرية كثيرة».

من أعمال حديد المهمة
مركز حيدر عليف في باكو، قاعة عرض في حديقة بألمانيا، مركز الفنون الحديثة بروما، منصة التزحلق في أنسبروك على جبال الألب، مركز العلوم في ولسبورج بألمانيا، محطة قطار ستراسبورج ألمانيا، مشروع القبة الألفية، لندن، محطة إطفاء الحريق بألمانيا، مشروع محطة البواخر في ساليرنو، مركز روزنثال للفن المعاصر في مدينة سينسيناتي بأميركا، تصميم مجموعة من اليخوت الفاخرة، المبنى العائم بدبي، مركز الثقافة باليابان، المسرح الكبير في مدينة الرباط بالمغرب، دار الأوبرا في قوانجو جنوب الصين، دار الملك عبد الله للثقافة والفنون في الأردن، مكتبة ومركز تعليمي في فيينا، تحف “غوغنهايم والأرميتاج في ليتوانيا، محطة مترو الرياض، المسبح الأولمبي في لندن، المبني المركزي في مجمع شركة بي أم دبليو في لايبزيغ في المانيا، محطة القطار السريع في افراغولا في ايطاليا.. وتصاميم عديدة لا يمكن حصرها في الكثير من دول العالم.

بيلوغرافيا
* ولدت زها محمد حديد في بغداد في 31 تشرين الأول 1950.
* درست الابتدائية والثانوية في مدرسة الراهبات الأهلية في بغداد. ثم في مدرسة خاصة بسويسرا، قبل أن تنتقل الى بيروت للتخصص في دراسة الرياضيات في الجامعة الأميركية.
* درست فن العمارة في الجمعية المعمارية في لندن )حيث مُنحت شهادة الدبلوم العالي عام 1977).
* كانت بداية نشاطها المعماري في مكتب ريم كولاس وإليا زنجليس أصحاب مكتب OMA ثم أنشأت مكتبها الخاص العام 1978.
وفي عام 1994عينت أستاذة في منصب كينزو تاجيه، في قسم التصميم (الدراسات العليا) بجامعة هارفارد ومنصب سوليفان فيجامعة شيكاغو بمدرسة العمارة كأستاذ زائر.
* وهي الآن أستاذ زائر في بعض الجامعات مثل جامعة ييل. كما قامت بإلقاء سلسلة من المحاضرات في أماكن كثيرة من العالم، وهي أيضاً عضو شرف في الأكاديمية الأميركية للفنون والأدب والمعهد الأميركي للعمارة.
* أقامت زها حديد العديد من المعارض الدولية لأعمالها الفنية تشمل التصاميم المعمارية والرسومات واللوحات الفنية. وقد بدأتها بمعرض كبير في الجمعية المعمارية بلندن عام 1983. كما أقامت مجموعة من المعارض الأخرى الكبيرة في متحف جوجنهايم بنيويورك عام 1978 ومعرض GA Gallery بطوكيو عام 1985 ومتحف الفن الحديث في نيويورك عام1988، وقسم الدراسات العليا للتصميم في جامعة هارفارد عام 1994، وصالة الانتظار في المحطة المركزية الكبرى بنيويورك عام 1995. كما تشكل أعمال زها حديد جزءاً من المعارض الدائمة في متحف الفن الحديث بنيويورك ومتحف العمارة الألمانية في فرانكفورت.
* حصلت على جائزة بريتزكر المشهورة في مجال التصميم المعماري، حيث تعادل في قيمتها جائزة نوبل، وبذلك تصبح زها أول امرأة تفوز بها منذ بدايتها التي يرجع تاريخها لنحو 25 عاماً.
* حصلت على جائزة الدولة النمساوية للسياحة عام 2002.
* و اختيرت زها كرابع أقوى امرأة في العالم في 2010 حسب تصنيف مجلة التايمز.
* حصلت على وسام التقدير من الملكة البريطانية، و اختيرت كأفضل الشخصيات في بريطانيا عام2012.

مقالات ذات صلة

التعليقات مغلقة