الأخبار العاجلة

المدينة الأخرى

بأثر هجرة العديد من الفنانين العراقيين إلى دول مختلفة، ولأسباب شتى، باتت ثمة أسئلة جمالية وفنية متعددة انعكست على شكل تحول أسلوبي بدأ يصيب تجاربهم. تحوَل طال طبيعة الأشكال والموضوعات والعناصر التشكيلية وخصوصية حضورها في أعمالهم.
تشكل تجربة الفنان كريم رسن»1960» إحداها. كان رحيله الى بلد استقبال جديد، بداية مرحلة فنية جديدة جراء حضوره في عالم مختلف عليه، والتي ستحضر بوصفها مكتسبات مضافة على مستوى الثقافة والرؤية وطبيعة التعاطي مع تجربته الفنية، ما سيشكل مصدر إثارة من نوع مغاير. أهمها وجوده في مدينة أخرى، سريعة الإيقاع، سعى للتعرف عليها من خلال علاقته بالنظر والتفكير بعالمها وأشيائها المختلفة، وجعل هذا المختلف موضوعاً قيد التأمل ودافعاً للانجاز وفعل إيقاظ لخبرته السابقة.
كان فعل المشاهدة هو إحدى آثار هذا الاختلاف، والذي مثّل لحظة تعرف على هذا العالم الجديد. ولم يكن مثل هذا الأمر مبنياً على دوافع علاقة بصرية عابرة، بل كان بمنزلة معنى يحث الرسام على التطلع إلى خبرة، هي وليدة عالم مديني معاصر. هو أكثر تقنية وأشدّ تنوعاً. ما جعل أثر المشاهدة بمنزلة فعل استكشاف لهذا العالم ولذاته معاً.
سيكون فعل المشاهدة هنا موضوعة تقترح تأويل أثر النظر وتضمين رؤيته في واقع خاضع لاستيهامات الوفرة ورسوخها بصورة اشهارية على جدران هذه المدينة، تاركة ظلالها وعلاماتها بطريقة تخلّف أثرها العابر. حيث تكاد النظرات إليها تصبح من دون وجهة بعينها، ساهمة، تضاهي مبدئها القائم على عدم الثبات والتغير. وهو الأمر الذي سيدعو الفنان الى أفق جديد. فثمة معنى آخر يكمن خلف ما يشاهده، حتى وان جاء بصفة علامات أو رسوم أو خطوط تملئ الواجهات و جدران الفضاء المديني، وبما يشبه حافز بصري يثير الإدراك ويشد الانتباهة إليه.
جدران سوف تحتفظ بالتعبير عن أحداث الواقع وفعله الآني. من صلب رؤية كهذه سيقيم الفنان كريم رسن معرضه الشخصي في البلد الجديد (تورنتو- 2009) وهو يحمل عنوان ( كرافيتي)، مستذكراً اتجاهاً في الرسم (ما بعد حداثي) يعني بالكتابات والشعارات والرسوم بوصفها تعبيرات سياسية أو حتى مدونات بتنفيذ سريع تحمل هموم منفذها. لا أثر لتاريخ أو تمثل دوافع ثقافية بأثر حضاري راسخ في القدم، بل سيصير الجدار حيزاً لرسم صورة أو نشر إعلان لكنه أيضاً يحمل تأثيرات الفعل الطبيعي والبيئي.
جدار هو جزء من مشاهد المدينة وفكرتها وحدثها اليومي. ومكافئ صوري يحتفظ برسوم وكتابات مقروءة، ودلالات شكلية غير متعينة، تتماهى بين تراكم الطبقات اللونية التي تحدثها بقايا إعلانات تم محوها بأثر تلصيق إعلانات أخرى جديدة عليها. انه جدار المدينة المعاصرة، المشغولة بالاستهلاك والتي هي في جوهرها حاضر مختلف.
وكأن الأمر يماثل تدويناً بصرياً ليوميات فنان عن اكتشاف مدينة متخيلة، أخرى.
سعد القصاب

مقالات ذات صلة

التعليقات مغلقة