الأخبار العاجلة

برمجة التخلف

محنتنا مع الجهل والتخلف طويلة ومريرة، وقد حفرت اخاديد عميقة في ارواحنا وسلوكنا، وانتجت آليات وشروطاً ، برهنت عن قدرات لا مثيل لها، لا في حماية منظومة العبودية والخنوع فقط، بل الابداع في ابتكار اشكال جديدة، لاعادة انتاج التخلف وتسويقه في عالم انتقل منذ زمن بعيد الى عصر ما بعد الحداثة.
ان ظهور تنظيمات عقائدية وسياسية ترفع راية الجهاد في سبيل تحقيق فردوسها المفقود من نسيج (الخلافة أو ولاية الفقيه وحاكمية السماء و..) وتضع على رأس اولوياتها محاربة كل اشكال المدنية والحداثة (البوكو) والانتصار لاهتزاز الشوارب عبر اعادة الروح لفقه السبايا والجواري و (ما ملكت ايمانكم) وتشريعات الجزية وصك الدراهم والدنانير المعدنية في زمن لا يفلح فيه الا من اعتصم بعروة البوكو.
مثل هذا الطفح من الجماعات والبرامج المسكونة بالنوبات المسعورة من الجنون الجمعي والفردي، لم يأت من فراغ، بل من حزمة من الشروط المختلفة والمتنوعة، وقد اسهمت مناخات الحرب الباردة بين المعسكرين الشرقي والغربي، في برمجة وتنظيم تلك التطلعات المتنافرة وحاجات الحياة الحديثة، وخاصة في المنازلة الاخيرة لقصم ظهر الاتحاد السوفيتي السابق في افغانستان عبر برنامج وتحالف واسع بين الدولة الاكثر تقدماً في العالم (أميركا) والدولة الاشد تخلفاً السعودية. أما اليوم وبعد مرور اكثر من عقدين على زوال جدار برلين وتفكك المعسكر الشرقي، نجد الحلف الدولي بقيادة الولايات المتحدة الاميركية يعيد تنظيم نفسه، وهذه المرة لمواجهة حلفائه السابقين من (المجاهدين والانصار) الذين استنسختهم مختبراته الآيديولوجية والتعبوية، بتمويل غير محدود من دولارات الرزق الريعي لامارات وولايات اليباب العربي.
ومن سوء حظ هذا الوطن القديم (العراق) ان يتحول الى مكب لنفايات تصفية الحسابات الدولية والاقليمية، حيث شرعت قوى التخلف والتشرذم المهيمنة حالياً على المشهد الراهن، أبواب العراق أمام كل هذه القوافل الهمجية لتجرب حظها على هذه التضاريس المستباحة. ومثل هذه الحلقات القاتلة لن تنتهي، مع مثل هذه القوى والرؤى والمشاريع التي لا تختلف كثيراً عما يشغل اهتمام وعقل داعش، كل ما يتميزون به؛ انهم أقل دعشنة من داعش أو أكثر دهاء منها، كما أشار الى ذلك رئيس الاتحاد العالمي لعلماء المسلمين الشيخ القرضاوي عندما عاتب ابا بكر البغدادي على استعجاله في اعلان نفسه خليفة للمسلمين.
ان مواجهة قوى الهمجية والتخلف لن تمر من خلال تحالفات دولية ومحلية لا تختلف كثيراً عن تلك البرك الآسنة التي أوجدت مثل تلك الجماعات، بل عبر ضدها النوعي الذي شخصه فرعها النشط في نيجيريا أي الحداثة والتعليم والدمقرطة الحقيقية لا الممسوخة بالحيل الشرعية ودهاء أكثر من الف عام وعام من الخنوع والسبات.
جمال جصاني

مقالات ذات صلة

التعليقات مغلقة