الأخبار العاجلة

الأطفال يفشون الأسرار لإنقاذ الكبار

OORLOGSGEHEIMEN

عبد السادة جبار

كثيراً ما تصاب بخيبة أمل وأنت تفتش عبر محركات البحث “كوكل” وإخوته
عن مواقع تزودك بأفلام غير أميركية، إذ تجد صعوبة في الوصول إليها إلا بعد عناء، وأحياناً لاتصل إلى الفيلم المقصود، وقد لا تلبي طلبك تلك المواقع في الوصول إلى معلومة بسيطة خصوصاً إذا تعلق الأمر بأعمال ليست مشهورة، والمهمة أيسر في الوصول إلى الأفلام الأميركية، لكن المتابع المتذوق للسينما لا يشبع ذائقته ذلك الإيقاع المتكرر المعروف لهوليوود ولن يكتفي بمشاهدة تلك الأفلام المصنوعة بحرفية عالية قد تخلو من تلك التلقائية الإبداعية التي تقدمها بعض الأفلام خارج النسق الأميركي والتي تركت أثراً واضحاً خارج التعليب السينمائي الهوليودي، بعض الأفلام المنتجة في بلدان أخرى قد تنطوي على أطروحات وأفكار وجماليات نادراً ما تجدها في صناعة الأفلام الأميركية على الرغم من القدرات التقنية والفنية التي احتكرتها هوليوود، ومن هنا فان المهرجانات الكبرى أتاحت للدول الأوروبية والأسيوية والإفريقية وغيرها فرصاً كبيرة للفوز بجوائز مهمة ولتثبت حضورها المميز بين الجمهور، إلا أن المشكلة لم تعالج حين يتعلق الأمر بالحصول على تلك الأفلام ليشاهدها الجمهور العريض ويستمتع بها إلا ما ندر، قد لا تعدّ هولندا من البلدان المنتجة بكثافة للأفلام، إلا إنها شهدت نجاحات نوعية مميزة بأفلام حصدت جوائز مهمة كما إن احتضان هذا البلد لمهرجانات سينمائية دولية مشهورة مثل مهرجان «روتردام» الدولي ومهرجان الفيلم الوثائقي بأمستردام جعلها قبلة السينمائييّن من العالم، وإذا كان إنتاج الهولنديين للأفلام لا يتميز بالكم الكبير فإنها تلاقي ترحاباً لافتاً من الجمهور، وان عدة أسماء من المخرجين اكتسبوا شهرة واسعة، و من بين أشهر الأفلام الهولندية فيلم” داكوتا” لويم فارستاين (1974) كما حقق فيلم “المصعد” لـديك ماس ( 1983) نجاحاً واسعاً حتى أنه أنتج جزء ثان له العام 2001 كما حصل فيلم “الغارة” على أوسكار أفضل فيلم أجنبي العام 1987 ويعد مخرج الفيلم فونس ريوماكرس أول مخرج هولندي يحصل على الأوسكار وقد حصل أيضاً على جائزة غلوب الذهبية وجائزة “كالف” للأفلام الهولندية العام 1986 وقد تطور الإنتاج بنحو ملحوظ في السنوات الأخيرة، إذ أنتجت هولندا العام 2013 بحدود 33 فيلماً، ولانريد أن نسترسل أكثر؛ لأن البحث طويل في هذا الاتجاه، المخرج الهولندي “دينيس بوتس ” قدم لنا العام 2012 فيلماً إنسانياً رائعاً “الأطفال الرائعون لا يبكون” وهو عن معاناة طفلة مصابة باللوكيميا، يعود إلينا مرة أخرى بفيلم أبطاله من الأطفال أيضاً يحمل عنوان “أسرار الحرب”، وإذا كان فيلمه الأول يتعلق بحياة طفلة، فان فيلمه الثاني يتعلق بالحرب، أي عالم الكبار لكن الصغار في هذا الفيلم هم الأبطال.

سيناريو الفيلم
يتعرض الفيلم لمرحلة مهمة من تاريخ هولندا أي في فترة الاحتلال الألماني إبان الحرب العالمية الثانية، حيث يفصل الفيلم بين عالمين، عالم الكبار وعالم الأطفال في زمن الكل فيه ضحايا لكن عالم الكبار ينقسم إلى صامتين يشكلون مقاومة سرية، وموالين مستسلمين للنازية من أجل أن يحظوا بحياة أفضل، إلا أن عالم الصغار لايخفون فيه أسرارهم عن بعض كما يفعل الكبار، إذ يشكلوا عالماً موحداً صادقاً ومحبة لا تفصلها تلك الولاءات وهذا هو الدرس الذي ركز عليه المخرج الهولندي “دينيس بوتس”، الأحداث تجري في قرية قريبة من الحدود البلجيكية، “تور” و “لامبرت” طفلين بعمر يتراوح بين 12و14سنة تربطهما صداقة قوية يكتشفان في أثناء لهوهما في الغابة وجود كهف يفضي إلى ممر نفق طويل خلف الحدود، يتفقان على اخفاء هذا السر عن الجميع، والد تور وأخيه الأكبر يعملان بالسر مع المقاومة لكن والد لامبرت متعاون مع الألمان وهو عمدة القرية، جميع أطفال القرية يكرهون لامبرت بسبب موقف أبيه لكن “تور” يدافع عنه ولا يتخلى عن علاقته به ولا يعرف بنشاط عائلته في المقاومة، يتعرف الاثنان على طالبة “مارتي” مهاجرة يقبلان صداقتها ويدلانها على النفق، يكتشف “تور” مصادفة إن عائلته تعمل مع المقاومة، فيفشي هذا السر لـ”مارتي” وتفشي له سراً هي أيضاً حيث تكشف له إنها من عائلة يهودية وقد هربوا من الاعتقال لكي لايزج بهم بمعسكر اعتقال اليهود الذي أعدته النازية، كما تخفي خنزيراً صغيراً تربيه بمكان سري، لكن لامبرت يكتشف الأمر ويصاب بالغيرة نتيجة اهتمام تور ومارتي ببعضهما فيفشي السر بغفلة منه لعائلته حيث يخبر العمدة الألمان ليلقوا القبض على مارتي وعائلتها ويكتشف تور ذلك ليهاجم الألمان ثم يتم اعتقاله، غير ان لامبرت يضغط على أبيه حيث يتوسط لإخراجه، لكن تور يقاطع لامبرت؛ لأنه كان السبب في القبض على مارتي، ثم تتصاعد الأحداث حين يصل الألمان إلى خيوط تشكيل المقاومة ولكن قبل أن يصلوا إلى عائلة تور يهربهم إلى النفق ويلحق بهم لامبرت وفي مقابلة بين الصديقين الحميمين كاد الأمر يتحول إلى عراك يفسر له لامبرت ظروف الخطأ غير المقصود ويعد تور بأن يجهزهم بما يحتاجونه من مؤونة لمواصلة مسيرتهم والخروج عبر النفق من البلاد، وبين شك العائلة بهذا الوعد والخوف من الوشاية بهم يفي لامبرت بوعده ليصلح أخطاءه طالباً المغفرة، فيتعانق الصديقان الصغيران في لحظات الوداع المؤلمة وتمضي عائلة تور إلى بلجيكا.

المعالجة
تمكن المخرج من الدخول إلى تفاصيل وأعماق أبطال الفيلم الأطفال الثلاثة ولم يهتم بشخصيات البالغين إلا ليكونوا شخصيات ثانوية ومساعدة وهي مهمة صعبة ، أدار بوتس الفيلم معتمداً على قدرة الأطفال المتميزة وتجربته في فيلمه الأول، في الواقع يعد هذا الفيلم تجربة فريدة عن ما يعانيه الأطفال في ظل الحروب في عالم الكبار المشوش المليء باللاثقة والخوف من الآخر في ظل احتلال قاسٍ، قدم بوتس مشاهد ممتعة مستفيداً من المكان ومن الحوارات الطفولية البسيطة والتي عبرت من دون مبالغة عن لغة تلقائية صادقة، كما سخر من عدوانية الفاشية عبر ردود أفعال الأطفال الموحدة ضد الشر لينبئ عن مستقبل مشرق لجيل سوف يأتي يهمل تلك الأبوية المستسلمة للواقع مقدماً صوراً مذهلة للطبيعة التلقائية للصغار حتى في طريقة الإدانة للسلوك الخاطئ والتكفير عن الخطأ والتسامح، هذا الفيلم درس سلوكي ومنجز فني رائع يستحق المشاهدة من الصغار والكبار على حد سواء.

فيلم ” OORLOGSGEHEIMEN”، تمثيل: الأطفال ماس برونكويزن، وجوس برويرس، وبيبا ألين، إخراج: دينيس بوتس.

مقالات ذات صلة

التعليقات مغلقة