المدن الفاشلة

وسط هذا السيل الهائل من العقائد والخطابات الاعلامية والتعبوية والديماغوجية، ومن جوف مناخات الغيبوبة والهذيان الذي يلف مضاربنا المنكوبة، يمكن العثور على صلة وثيقة لكل هذه الردة الحضارية التي عصفت بنا في العقود الاخيرة، والنحس العضال الذي لحق بالمدن ومشروعها الحضاري في انتشال بقية التضاريس المهمشة والمعزولة عن هموم وتحديات عصرها، ومن انماط الحياة المتنافرة وابسط ما تحقق لعيال الله في بقية اصقاع العالم الذي حولته الفتوحات العلمية والمدنية الى قرية.
ما حدث في غالبية مدن ما كان يعرف بـ (العالم الثالث) ومنها العراق، ان مقاليد السلطة السياسية وبعد ان وقعت بيد مجموعات مغامرة، اجهضت سياساتها التطور الطبيعي لتلك المجتمعات والمدن، وبعد حزمة قراراتها العقائدية والاقتصادية البائسة، وجدت هذه المدن الفتية نفسها بمواجهة ازمات اجتماعية وقيمية عميقة، خاصة بعد التغيرات الديموغرافية الهائلة التي رافقت تلك التجارب الخائبة. وكل من يتابع الاوضاع والتهديدات التي تحاصر بلدان مثل مصر والعراق وسوريا حالياً، يدرك حجم الكارثة المحدقة بها نتيجة المسخ والتشويه الذي لحق بمدنها وعواصمها المتورمة بسطوة العقائد والترانيم الريفية المعدلة جينياً مع آخر الصرخات الايمانية.
لا نحتاج الى جهد كبير كي نكتشف علاقة شوط تمدين القرى والارياف وانتشار الافكار الديمقراطية والليبرالية والحداثوية، وعلى العكس من ذلك، عندما تريفت العواصم والمدن، اكتسحت العقائد الشعبوية والشمولية الميادين السياسية والاجتماعية كافة، وهذا ما يتجلى بنحو واضح في الهيمنة الحالية لقوى الاسلام السياسي وعلى رأسها الجماعات التكفيرية والتي تمثل داعش سنامها الأعلى. ان الحرب ضد قوى الهمجية والارهاب لا يمكن ان تصل الى غاياتها النهائية، من دون وجود استعداد ووعي حقيقي بضرورة استرداد المدن روحها وهويتها ووظائفها الفعلية؛ بوصفها رافعة التطور المنشود لشعوب وقبائل وملل هذه المضارب المنكوبة بالقوافل المسعورة.
ان البرنامج الحقيقي للتغيير لايمكن ان ينطلق من دون الالتفات الى الواقع المؤلم والمأساوي للعاصمة بغداد، والتي تقف اليوم على رأس المدن الفاشلة، بعد أن استسلمت من دون قيد أو شرط للقوافل المتنازعة عند أطراف الوليمة الأزلية. وبغداد لا يمكن ان تنهض مع هذا النوع من الزعامات والمشاريع النافقة، حيث القبائل والطوائف (تسترد مفاتنها) وتفرض فرماناتها وشروطها وذائقتها المتخلفة على جبهة جميع السلطات بما فيها ذيلها الغليظ والذي تطلق عليه الامم التي وصلت لسن المدنية والمدن؛ السلطة الرابعة، حيث انخرطت بمطبوعاتها وفضائياتها ومنابرها المختلفة في كرنفالات التشرذم والاستعراضات التي حولت هذه المستوطنة القديمة؛ الى أكبر حقل لاستنبات الضحالة والكوابيس.
جمال جصاني

مقالات ذات صلة

التعليقات مغلقة