الهيئات غير المستقلة

في عراقنا هيئات سميت في الدستور مستقلة، لكنها في الواقع ليست كذلك.
الاستقلال المنصوص عليه هو «ماليا وإداريا»،وفلسفة وجودها قامت على الاستقلال عن التجاذب والنفوذ السياسي لانها هيئات مهنية لا تقبل التسييس.
أغلب المسؤولين في العراق مشبع بمركزية الحكومة ودورها المباشر في كل الشؤون، يخشى إستقلالية الهيئات، لانه يفسر الاستقلال تغريدا خارج السرب وغيابا لإمكانية التحكم بأدائها. نعم، لا يمكن للاهواء الحزبية والفئوية التحكم بها لكنها لا تغرّد خارج السرب. فكرتها تقوم على قانون خاص بها تقدم مسودته السلطة التنفيذية ويقرّه البرلمان، وكذا الحال مع إداراتها: ترشحها السلطة التنفيذية ويصادق عليها البرلمان. هنا تنتهي سلطة البرلمان والحكومة على الهيئات التي تبدأ بالعمل طبقا لقانونها الموضوع على وفق المصالح العليا للبلاد والمواطن، فيما يقوم البرلمان بدور المراقب لادائها.
القانون الخاص لكل هيئة يجب ان يؤمن لها الاستقلالية المالية والادارية. فكرة هذه الهيئات أن لا تكبّل بالروتين والبيروقراطية التي تكبّل عمل الحكومة، خصوصا في حالة العراق الذي يعود أحدث قوانينه الادارية والمالية الى بداية سبعينيات القرن الماضي، وهي مصممة لنظام مركزي وإقتصاد موجّه. استقلاليتها المالية والادارية تؤمن لها سرعة العمل والانجاز في بلد يحتاج الى جهود مضاعفة للنهوض. الذي حدث هو ان العقلية المبرمجة على مركزية الحكومة أصرت على ربط هذه الهيئات بالنظام الاداري والمالي الحكومي، فكان الشلل الذي أصابها، كما هي وزارات ومؤسسات الدولة. وبات العاملون فيها موظفي دولة ينتظرون نهاية الدوام اليومي، ونهاية الشهر، بغض النظر عن حجم الانتاج.
أما الاستقلال السياسي الذي يشكل جانبا من فلسفة وجود هذه الهيئات فهو ضرورة قصوى لعملها. هي مؤسسات مهنية لا يمكن للاهواء السياسية التدخل فيها. كل المسؤولين والسياسيين يؤكدون ذلك لكنهم يتحركون جميعا باتجاه تقاسم هذه الهيئات. لم يكتفوا بتوزيعها بين الطوائف، بل يطالبون الان بتحاصصها بين الاحزاب السياسية. فكثيراً ما نسمع سياسيا يقول ان الهيئة الفلانية من حصتنا، وآخر يطالب بغيرها . كل هذا يتم بإسم التوازن، وهو الاسم الجديد للمحاصصة المقيتة. فكيف يمكن الجمع بين الدعوة الى استقلالية الهيئات، والتكالب عليها؟.
هذا يعني ان الهيئات الفاقدة للاستقلال الاداري والمالي حاليا، لن تكون مستقلة سياسياً، فكيف ستقوم بدورها المهني؟
سالم مشكور

مقالات ذات صلة

التعليقات مغلقة