الأخبار العاجلة

الحكومة وحقوق ذوي ضحايا سبايكر

سلام مكي *

ما ان اقتربت منها، حتى سألتني بألم: هل تعرف أين يقع الكاتب العدل؟ أريد ان اوكل احدهم للسير في معاملة ولدي المفقود في سبايكر. وبلا مقدمات، انهمرت دموعها بغزارة، فقالت: كان الوحيد لي، رحل تاركاً عائلته برقبتي، وقد استدنت ثمن أجرة السيارة، ثمة من تكفل بالسير في معاملة قد احصل من خلالها على ما اسد به رمق اطفاله. عدة أشهر وهذه المرأة العجوز، تنتظر من الدولة ان تعوضها عن ابنها الذي ضحى بنفسه لأجلها، عدة أشهر مضت، والـ 1700 عراقي لا يعرف عنهم شيئ، عدة أشهر، ولم يدخل أحد السجن، لا عسكري ولا مسؤول ولا سياسي، لم يطالب بهم احد، ولم يسمع لذويهم أحد. داعش ارتكبت مجزرتها في سبايكر لأنها مجرمة وقاتلاً، وتريد اشعال فتنة طائفية بين العراقيين، ولكن: ماذا نسمي تجاهل الدولة بكل مؤسساتها لذويهم؟ ماذا يعني ان دولة تملك موازنة تبلغ 150 مليار دولار وتعجز عن الكشف عن مصير 1700 منتسب لديها؟ اذا لم تتمكن الدولة من معاقبة المتسببين بالمجزرة، ولو كان ضابطاً واحداً، بسبب طبيعة نظامها السياسي الذي جلس بمؤخرته على القانون وجعل نفسه بديلا عنه، فكان عليها ان ترعى عوائل المفقودين وتشعرهم بأن دماء ابناءهم محترمة ومصونة من قبل الدولة التي ضحوا بأنفسهم من اجل بقائها، لا يهملون ويتركون للعوز والفاقة التي كانت السبب في جعل المفقودين يلجأون الى التطوع في الجيش كحل وحيد لضمان معيشة عائلاتهم. لماذا لا تتجاوز الحكومة الروتين القاتل في دوائرها وتسارع بمنح ذوي المفقودين حقوقهم او في الاقل تخصيص معونات او منح عاجلة مؤقتة ريثما ينظم قانون او تعليمات بشأنهم؟ يقال ان لجنة تعويض المتضررين من الارهاب والعمليات العسكرية، قررت مؤخرا ترويج معاملات المفقودين، ولكن باجراءات متضرري الارهاب والعمليات العسكرية نفسها، يعني ان عليهم ان ينتظروا سنين طويلة حتى يتم تعويضهم. فمن تضرر من عمليات القوات الاميركية وقدم معاملة لهذا الغرض حتى قبل تشريع قانون تعويض ضحايا الارهاب، لم يتسلم الى اليوم اي مبلغ من الحكومة، وكل يوم يطالبونهم بمستمسك جديد، مع العلم ان المبلغ مهما كان الضرر قد لا يتجاوز المليون دينار! كل ما فعله البرلمان هو اعلانه عن تشكيل لجنة تحقيقية لمعرفة المقصر في المجزرة، ولكن: هل سيجرؤ على كشف نتائج اللجنة؟ هل سيتغلب ضمير النواب على المحاصصة والطائفية؟ لكن لا جديد، فهي لجنة كسابقاتها، لا احد يريد ان تعلن نتائجها، لا احد قال ان فلاناً هو المسؤول عن المجزرة. اذن: يمكننا القول ان الدولة ترتكب هي ايضاً مجزرة بحق منتسبي سبايكر، عندما اهملت وتجاهلت دماءهم مرة وعندما لم تعوض اهاليهم مرة أخرى. حتى انها تستكثر عليهم حق التظاهر للمطالبة بكشف مصير ابنائهم. هم لا يريدون من الحكومة شيئا سوى مصير ابنائهم، لا رواتب ولا امتيازات، تعادل خبرا عن ابنائهم. ان المنطق القانوني والاخلاقي يحتم على الدولة ان تحمي حق رعاياها في الحياة، حتى لو كانوا عسكريين، ومادامت لم تقم بهذا الواجب فعلى القضاء فيها ان يمارس دوره في محاسبة المقصرين والمتسببين في قتل هذا الكم الهائل من المنتسبين بدم بارد. من اكبر رأس في المؤسسة العسكرية وحتى اصغر ضابط مسؤول، وعليها ثانياً ان تكشف عن مصير المفقودين، عبر تشكيل قوات خاصة للبحث عنهم واذا استلزم البحث دخول منطقة تخضع لسيطرة داعش، فعلى الحكومة ان تبادر الى تحريرها حتى يستمر البحث، فقد لا تعرف الحكومة ما مدى الضرر الذي سيلحق العائلات لو بقيت حالة ابنائهم على ما هي عليها : الفقد. وعليها ان تبادر الى تشريع قانون خاص بهم، الغرض منه تعويض ذوي المفقودين بعد احداث الموصل مع التأكيد على تجاوز الروتين والاجراءات المعقدة التي تسببت بضياع حقوق الضحايا. واذا كانت الحكومة عاجزة عن الكشف عن 1700 جثة فعليها ان تطلب من الدول مساعدتها او تتعاقد مع شركات خاصة، ولكن المشكلة ان هذا لا يعقل، الا اذا علمنا ان هناك ايادي خفية او ارادة سياسية تمنع من الكشف عن مصيرهم، وكل هذا لأجل شخص واحد او مجموعة اشخاص يتم التضحية بشعب كامل لأجلهم. لا اتصور ان مسؤولا حكومياً او برلمانياً لم يتسبب احد من ذوي المفقودين في صعوده الى المسؤولية، ولكن لا احد منهم تكلم! المشكلة الاخرى ان سكوت الحكومة عن الجريمة شهد ردة فعل من قبل ذوي الضحايا حصراً، فلا اتصور ان تظاهرة او اعتصاماً خرج تضامناً معهم الا في حالات قليلة من قبل بعض الناشطين، وليس من الشعب عامة، اليس الاجدر بكل طبقات الشعب ان تتظاهر وتعتصم وتجبر الحكومة على القيام بواجبها في الكشف عن مصير ابنائهم؟ يبدو ان على ذوي المفقودين التصريح بأنهم متنازلون عن جميع حقوقهم ويتعهدون بعدم مطالبتهم بمحاسبة احد مقابل الكشف عن مصير ابنائهم، هذا اذا كان السياسيون يرفضون هذا الفعل رغبة في حماية مسؤول ما، استطاع ان يهرب من المسؤولية بتوليه منصباً حكومياً يحميه من اي ملاحقة قانونية. القضية في طور النسيان، وقد تعرض نتائج التحقيق على الرأي العام بعد ان يتم الاتفاق على صيغتها بطريقة لا تمس أي احد، وقد تخضع للمساومات من قبل السياسيين، وسيدفع المتورط لقاء سكوت الاخرين. ولكن: دماء الابرياء هل تسكت؟ هل سيمر انين الام المفجوعة بولدها الوحيد؟ هل ستسكت عشائر المفقودين وهي تعلم علم اليقين من تسبب بقتل ابنائهم؟ العشائر المتواطئة مع داعش اليد اليمنى التي اطلقت الرصاص على صدر الجنود، فهي مارست الاجرام نيابة عن داعش، الا فكان بالإمكان حمايتهم وهم عراقيون. الحادثة وان نسيها السياسيون، فإنها في الواقع ستكون منطلقاً لعهد جديد قد يشهد انقسامات داخل المجتمع العراقي، اذ ستكون هناك عداوات وثأر بين عشائر القتلة والمقتولين، لا تنتهي الا في حالة قيام العشائر التي ينتمي القتلة اليها بتسليم ابنائها الى القضاء لمحاكمتهم. بقي علينا ان ننتظر من ذوي الضحايا ان يقوموا بثورة حقيقية ضد الحكومة والسلطة بأكملها حتى لا تضيع دماء ابنائهم ولتكون دماؤهم نهرا يسقي شجرة الحرية والعيش بكرامة وتجرف كل فاسد في الدولة، واذا لم يفعلوا هذا فسيخونون قضيتهم اكثر من خيانة السياسيين لها.

* كاتب عراقي

مقالات ذات صلة

التعليقات مغلقة