“كوثاريا”.. بوليفونية الخفافيش والعصافير

رواية نعيم آل مسافر

سلوان إحسان

«إن الرواية تنمو كالعشبة البرية» جاك بريفير
مدخل نظري
ليست الرواية البوليفونية رواية حداثوية بالكامل وإنما هو نمط عرفته الرواية العراقية منذ بواكيرها كما في رواية “الرجع البعيد” للراحل فؤاد التكرلي ورواية “خمسة أصوات” لغائب طعمة فرمان، وبعض روايات القاص العراقي الفلسطيني جبرا إبراهيم جبرا وغيرهم, حيث استعملوا تقنية تعدد الأصوات أو البوليفونية: ويقصد بها لغة تعدد الأصوات، وقد أخذ هذا المصطلح من عالم الموسيقى ليتم نقله إلى حقل الأدب والنقد على يد باختين عندما درس روايتي “الجريمة والعقاب” و”الإخوة كارامازوف” للروائي الروسي دستويفسكي.
يرى الناقد المغربي حميد لحمداني أن المقصود بالرواية البوليفونية تلك الرواية التي تتعدد فيها الشخصيات المتحاورة، وتتعدد فيها وجهات النظر، وتختلف فيها الرؤى الأيديولوجية) بمعنى أنها رواية حوارية تعددية ذات منحى ديمقراطي حيث تتحرر بشكل من الأشكال من سلطة الراوي المطلق، وتتخلص أيضاً من أحادية المنظور واللغة والأسلوب. وبتعبير آخر، ترتكز هذه الرواية المتعددة الأصوات والمنظورات على حرية البطل النسبية واستقلالية الشخصية في التعبير عن مواقفها بكل حرية وصراحة، ولو كانت هذه المواقف، بحال من الأحوال، مخالفة لرأي الكاتب. وللتوضيح أكثر، تسرد كل شخصية الحدث الروائي بطريقتها الخاصة، بوساطة منظورها الشخصي، ومن زاوية نظرها الفردية، وبأسلوبها الفردي الخاص. بمعنى، أن الرواية تقدم عصارتها الإبداعية وأطروحتها المرجعية عبر أصوات متعددة.
ومن هذا الإطار النظري تتوجه رواية “كوثاريا” لنعيم آل مسافر، الصادرة عن دار ميزوبوتاميا العام 2014 في بغداد بعتبتها المستنسخة تناصياً من القصة القرآنية للنبي إبراهيم (عليه السلام) وحادثة تحطيم الأصنام التي قام بها بعد أن وضع فأسه على كتف كبيرهم مردوخ، ومع الراوي العليم الذي يدخل صراع الثنائيات الضدية الخير / الشر, الحقيقة / الخداع, الحياة / الموت في هذه المدينة كوثاريا.. “السبب معروف هو اتهامه بالتحطيم حتى يخرج الكهنة وتتضح الحقيقة للناس المخدوعين بعبادة الأصنام, ما كان هذا السبب المُعلن يرضي فضولي” الرواية (ص5).
ثم بعد ذلك يشرع آل مسافر بتحطيم أصنام مجتمع كوثاريا عبر سرد بوليفوني بين الشخصيات من خلال بنية رباعية للرواية (كاتب السيناريو / دمى / لقاء مع القدر / الذات المفقودة)، وكل من هذه البنى الأربع التي تشكل العمل الروائي لكوثاريا تعتمد الحوار و الاستنساخ مع مرجعيات القصة القرآنية والأيدلوجية للكاتب نفسه.

زمن الرواية
يبدأ زمن رواية “كوثاريا” من حقبة الثمانينيات ويمتد بها إلى حقبة الانفلات الأمني بعد أحداث نيسان 2003، ففي ثمانينيات القرن الماضي يسير القدر بالراوي إلى السجن الإصلاحي في مدينة كوثاريا بعد أن يعترف بجريمة قتل نفذها أخوه ناصر وهذا ما يتضح من خلال الحوار مع شبح ناصر أخو الراوي بعد أن يتجول في مزرعة الموت.
“لقد فعلتها … قتلته … رفعت عني وعنك كاهل الأخذ بالثأر/ يجب أن تدفع جزءاً من الثمن/ سيشنقونني إن لم تعترف بقتله بدلا عني” (ص 38/39)، وهنا يمارس الراوي العليم مهمة آزر بعد أن يلتقي سمير الصنم الكبير في “ارتعدت فرائصي خوفاً ورعباً منذ اللحظات الأولى التي رأيته فيها./ كانت سيطرته داخل السجن مطلقة/ مردوخ ثانية ؟ قلت في نفسي” الرواية (ص69 /48). ولكي يستمر الراوي بالسير لمعرفة مهمته وليقاوم سلطة سمير لم يكن لديه خيار سوى انتحال شخصية تشبه شخصية سمير حتى تتلبس به فيبيت مهووساً بداء تعدد الشخصيات ” كل ما أحتاجه هو انتحال الشخصية الملائمة, للفرار من سمير إلى الأبد” (ص 60), سمير الذي ينتمي إلى فصيلة القرود، والذي فُتحت له خزائن دول الجوار لتحقيق مآربهم في كوثاريا وليؤسس دولة الانتقام من حمود الأعرج و فوزية جارتهم التي حاولت بكل ما تملك أن تروضه “لكن محاولاتها باءت بالفشل” (ص 14) بعد أن حرمت الحرب زوجها حمود من أن يعيش بسوية وراحة فتصهر حمود وفوزية بلهيب نارها المستعرة فتحرمهما نعمة الأطفال، وهنا تصور لنا هاتان الشخصيتان عبر حوارهما البوليفوني الموقف الاجتماعي لتلك الفترة، فترة الحرب العراقية الإيرانية، مما يجعل فوزية تلتجئ إلى ابن الجيران ( سمير ) لتعوض به حرمانها من حقها كأنثى تتمتع بالإنجاب وتربية الأولاد، لكن سمير يعشق مربيته فيحاول أن يعتدي عليها جنسياً مما دفعها إلى تسليمه لآزر المجتمع المنحل في السجن الإصلاحي وأبو غريب في ما بعد، ليكوّن مأوى تجمع فيه خفافيش ليل الكبت والعسكرة لقتل عصافير النخيل/ البرتقال/ القصب/ الشمال/ الجنوب/ الشرق/ الغرب/ البادية الغربية/ السهل الرسوبي.

بناء الشخصيات
تتكئ كوثاريا بشخصياتها على شخصيتين رئيستين مستنسختين تناصياً من الشخصيتين القرآنيتين هما الراوي = إبراهيم و سمير = مردوخ والتي لم يؤسس لها الكاتب آل مسافر ببناء واعٍ يتناسب مع بوليفونية الرواية وإنما ببناء عفوي يدور في فلك الرسالة التي يريد أن يوصلها الى المتلقي، فلم يرسم لشخصية الراوي سوى تصوراته الأيدلوجية ومواقفه السياسية تجاه الخفافيش، أما سمير/ مردوخ فقد اقتصرت شخصيته على العوامل الاجتماعية التي آلت إليه ليكون كبير الأصنام في ما بعد.
“تمنى لو يهدم القبر ويخرج عظامها, يحرقها يذرها في الهواء, فهو يحملها كامل المسؤولية لكل ما مر وما سيمر به خلال حياته المقبلة . كانت ترسله لسرقة ضراتها” (ص 83).
أما الشخصيات الأخرى التي تتنامى في حدث الرواية، ما هي إلا شخصيات مكملة للحدث الروائي لإتمام رسالة الكاتب آل مسافر عبر الشخصيتين الرئيستين والذين يمثلان خطين متضادين في الصراع بين قوى الحقيقة والخداع ويمثلهما الكاتب بمجموعة الخفافيش: نبيل لوطي السجن وقاضي الجماعة فيما بعد, والذي نتعرف على ملامح شخصيته البسيطة بواسطة حوار بين الراوي وسمير، حينما عرض سمير عليه أن يكون قاضياً لجماعة الخفافيش لم يرق لنبيل أن يكون هذا المنصب للراوي، فهو أول من أصدر حكم الإعدام بحق زوج أمه المخمور وهو في سن الرابعة عشر. أما شخصية سلام المغني ومؤذن جماعة الخفافيش والذي تركه الكاتب من دون أي رسم سوى صوته الرخيم الذي كان يطرب به السجناء, وحازم الناطق الرسمي لجماعة الخفافيس وهو ابن زوج أم نبيل وعشيقها, أم سمير: لم يرسم لها الكاتب سوى شاهدة قبر يزوره سمير وينثال بذكرياته عن سحاقيتها.
أما شخصيات العصافير والتي يمثل لها بثلاث شخصيات تدور أيضاً في فلك الشخصيتين الرئسيتين: فوزية وحمود الأعرج، مربي سمير وهدف انتقامه والصوت المدوّي في ضمير الراوي لينتقم لهما من بطش مردوخ كوثاريا، أما ناصر أخو الراوي وسبب رميه في عش الخفافيش وهذا ما يبينه الحوار ليتمم به الكاتب نعيم آل مسافر شخصية الراوي وذاته المفقودة ليعيدها في خاتمة الرواية بعد أن يهرب لقلب الله لبنان، الوطن الذي “سيساعدني في عملية البحث عني” (ص 113) البحث عن الفأس لإنجاز مهمة إنقاذ كوثاريا من صنم سمير/ مردوخ وتحطيمه.
على الرغم من ضعف تقنيات بناء رواية كوثاريا، إلا أنها رواية تخاطب الذات العراقية بمواجهة خفافيش الظلام التي تعصف بالعراق وهي الرسالة الأهم التي ألح عليها الروائي نعيم آل مسافر في روايته وأهّلته للفوز بالمركز الثالث في مسابقة محمد الحمراني للرواية عام 2012.

هامش:
أسلوبية الرواية, حميد الحمداني ص 57 ط1 لسنة 1989 نسخة الكترونية

مقالات ذات صلة

التعليقات مغلقة