«ابجدية الحب» والوحدة الموضوعية الوجدانية

علوان السلمان

النص الشعري..تشكيل صوتي ودلالي يقوم على بعديين فنيين متداخلين،اولهما بصري وثانيهما جمالي..ايقاعي.. بوحدة بنائية تؤطر الفعل الشعري والانفعال الشعوري لتحقيق رؤى المنتج التي تقوم بخلق صورها الكاشفة عن روح التجربة وجوهرها باضفاء المخيلة التي تفعل فعلها لتحقيق ذاته موضوعيا..
وباستجلاء البناء الهيكلي للمجموعة الشعرية (ابجدية الحب) تفكيكا وتحليلا من اجل استنطاق صورها النصية التي نسجت عوالمها انامل منتجها(الشاعر) زينل الصوفي واسهمت دار ماشكي في نشرها وانتشارها/2014… كونها تكشف بقاسمها (الغزلي)المشترك عن قدرة في الصياغة التي ترقى الى حجم الحدث والموقف بطريقة السرد الشعري واستحضار منظومة القيم المجتمعية.. بتوظيف لغة مجازية معتمدة الاستعارة من اجل تجاوز المالوف والتنحي صوب الانزياح المستفز للذاكرة..مع اتصافها بسرعة ايقاعية وايحائية مكتنزة بطاقة دلالية ابتداء من الايقونة العنوانية السيميائية الدالة بفونيميها المشكلان لجملة اسمية مضافة حذف احد اركانها(المبتدأ) والكاشفة بمقتربها عن المتن النصي الذي شكل فعلا ثقافيا تكمن في ثناياه ستراتيجية شعرية تحمل بعدا نفسيا يكشف عن حيثيات المتن ودلالاته المضمونية.. فضلا عن الاهداء النصي الموازي..(الى القبلة الاخيرة في تاريخ الحب التي تبقى مؤجلة بين شفتين لا تلتقيان) ص5 …ومدخل نصي:
في الحب لا اشراك اني مؤمن
متمسك بطقوسه وموحد..
قلبي منارته..تؤذن اضلعي
أ ن لا هوى الا هواها أشهد /ص9
فالنص يكشف عن لحظة مشهدية درامية تتمحور حول نزعة انسانية وهو يحمل زخما تكثيفيا..ايحائيا ومعنويا.. مع توتر شعري مؤثث بالتداعيات والصور..اضافة الى اشتغاله على بنية الغياب والحضور لـ (لحب) المؤطر بالموحيات الحسية والمكان الذي يتخذ حيزا فاعلا كونه يتواشج مع البعد النفسي والذاتي فيشكل المدار والهاجس من خلال الاصطدام بالوقائع اليومية..
هناك قلبي/واني ها هنا اقف
كفاه صمتا/عساه اليوم يعترف..
عساه يقدر بالاشواق يرسمني
عساه ينطقني/ يا ليته يصف
ارسلته بهيامي/ للتي سكنت جزئي
فيا ليتها بالكل تنتصف ،ص56
فالمنتج(الشاعر) يحاول استنطاق اللحظات الشعورية عبر نسق لغوي قادر على توليد المعاني من اجل توسيع الفضاء الدلالي للجملة الشعرية بلغة تمركزت فيها الطاقة الايحائية بمستوياتها وصورها ودلالاتها التي تستنفر الذات لتوليد حركية تموجية وصور مثيرة للدهشة عبر انزياحاتها اللغوية المتعالقة والايقاع الشعري والتشكيل البصري(الحسي)..مع وحدة موضوعية اطرت التجربة الشعرية التي اتسمت بسمتين:اولهما تعلقها بالذاكرة عبر صورها الشعرية… وثانيهما تشبثها بالمكان الذي هو امتداد لدرامية الصورة التي من خلالها يتم تحويل الذاكراتي الى شعري..
ما بيننا..أأقوله؟/ما بيننا….؟/ معناه موت احمر ان اعلنا..
ما بيننا/ لو قلت عنه كِلمة/ طالت يد منها لتخنق صوتنا..
لو انني اشعلت منه شمعة//زحفت جيوش من ظلام نحونا..
ما بيننا ان لا ابوح برسمها/او باسمها/فالكل يرقب بوحنا.. /ص42
فالنص يقوم على الصورة الشعرية التي تظهر فيها المراة بتجليها الانثوي حاضرة على امتدادات عتباته حتى انها شكلت بؤرته المركزية من خلال تركيز الجملة المكتنزة بعوالمها داخل هيكلية البناء المتدفق شعوريا بوحدة موضوعية وفكرية يحلق حولها المعنى الذي خلقه المنتج(الشاعر)عبر لغة متميزة بابعادها الانسانية ودخولها القلب من دون استئذان من جهة واستفزاز الذاكرة من جهة اخرى..
فما لك لاتنسى/كفاك تخيلا/كفاك بها/عشت العذاب مواسما..
كفاك بذلت القلب/ انهيت كله/والبسته ثوبا من الطيف هائما..
وادخلته كل الحروب مجردا/فعاد مهزوم المشاعر دائما…
كفاك/تظن الشوك حسنا فانه/يكشر عن انيابه لك باسما /ص93
فالنص بمجمل تحركاته الرامزة ودلالاته اللفظية المعبرة عن الحالة الشعورية والنفسية باسلوب دينامي حالم وعمق دلالي يتداخل والسياق الجمعي بقدرته التعبيرية المختزلة لتراكيبها والمتجاوزة للقوالب الجاهزة بتشكله وفق تصميم ينم عن اشتغال عميق يعتمد الجزئيات وينسجها نسجا رؤيويا يرقى من المحسوس الى الذهني..عبر ترجمة المنتج(الشاعر) انفعالاته بنسج شعري يحقق وظيفته من خلال الفكرة والاشتغال داخل اللغة عن طريق خلق علاقات ما بين المفردات بوحدة عضوية متميزة بعوالمها المتناسقة جماليا.. فضلا عن انتماء الخطاب النصي الى المجال البصري الذي يعتمد بعض المهيمنات والتمظهرات التي ترسخ نفسها في الذاكرة. كالتناص وبيت المتنبي(اذا رايت نيوب الليث بارزة فلا تظنن ان الليث يبتسم)…اضافة الى توظيف بعض التقنيات الفنية والاسلوبية التي تتجسد في التنقيط (النص الصامت) الذي يتطلب قراءة نسقية ووعي باهمية الهندسة المعمارية النصية بنحو تشكيلي يستدعي المستهلك (المتلقي) لملء بياضاته.. وهناك التكرار الدال على التوكيد من جهة..والصفة البنائية التي تحتضن دلالاتها النصية والجمالية من جهة اخرى..اذ انه يعد من الظواهر التي تؤكد فكرةٍ ما تسیطر علی خیال المنتج وشعوره… اضافة الى انه وسیلة من وسائل تشكیل النبر الموسیقی في السياق الشعريّ واظهار جانباً من الموقف النفسيّ والانفعاليّ..فضلا عن انه ظاهرة فنيّة تحفيزية تثري دلالات النص وتزيد الخطاب جمالاً وائتلافاً نسقياً..
وبذا قدم المنتج(الشاعر) نصوصا تقوم على التكثيف الدلالي ووحدة موضوعية وجدانية وفق رؤيته المتكئة على الالفاظ الموحية الناسجة للصور المتماهية والهم الذاتي..مع تميزها ببنية درامية ولغة منطلقة من ضمير المتكلم(نا)..

مقالات ذات صلة

التعليقات مغلقة