اللواكة.. مستنقع لا يفنى

سيول لا حدود لها من الهزائم والركلات هبطت على مضاربنا المنحوسة، حولتها الى أحد أكبر حقول العالم لانتاج (اللواكة) تلك التقنية التي وهبتها الطبيعة لبعض من زواحفها كي تواجه المخاطر المحدقة بها، حيث تغير الوانها وملامحها واشكالها الخارجية تجنباً للاخطار أو استعداداً للانقضاض على الفريسة المحتملة. وبسبب من طول مدة هيمنة قوى القهر والاذلال، سنحت لمنظومتها المنحطة الفرصة كي تتسلل الى اغوار عميقة من حياة الناس ترسبت غير القليل من فضلاتها السامة الى حيث مستودعات اللاشعور، وتحول احياناً الى ما يشبه الفولكلور الوطني، لا يثير لديهم أي قلق أو امتعاض. لقد تمدد هذا الوباء (اللواكة) المتنافر وابسط مقومات العصر الحديث، الى تضاريس واسعة ومفاصل حيوية من حياتنا الخاصة والعامة. ومع هذا الكم الهائل من المصابين به، ومع استرداد المنظومة المتناغمة معه لمواقعها في المجتمع والدولة «الجديدة» تجعل انتظار تحولات تنتصر لكرامة الانسان وحقوقه المهدورة أمراً عسيراً.
لم يعد سراً أمر الحطام الذي خلفته تجربة اربعة عقود مريرة مع المؤسسات الاخطبوطية للنظام المباد، والتي فتكت بنحو خرافي وغير مسبوق بكل ما له صلة بالقيم الرفيعة والوجدان الانساني، وفي مسعاها حققت خطط الدمار الشامل تلك؛ نتائج فتاكة في تدمير بوصلة الانسان وسر وجوده وناموسه الطبيعي، المتمثل بحريته وتعدديته، لتتركه بعد زوال نظامها السياسي، نهباً لفضلات تقاليدها النتنة. وها نحن اليوم نشاهد بحيرة، مشاهد الغزو الواسع لجحافل (اللوكية) على اطراف واعماق الوليمة الازلية. ومن الاهمية بمكان الاشارة الى ان مثل هذه العمليات والاصطفافات لم تكن محصورة في التضاريس المحكومة من النظام المباد واجهزته المتنوعة الوظائف والاختصاصات، بل شملت بافرازاتها ما كان يعرف بالمعارضة خارج البلد، حيث المناخات والشروط المحبطة للعزائم والهمم، وفرت البيئة الطاردة للقوى والملاكات السليمة والحية، لتستقبل المدججين بتقنية (اللواكة) حيث غير القليل منهم، يتصدر المنابر والمنصات السياسية والاعلامية، وغيرها من المفاصل الادارية المهمة لحقبة الفتح الديمقراطي المبين. في مثل هذه الشروط من (الفوضى الخلاقة) حيث كرنفالات اللبس والغيبوبة والغموض، لا يحتاج الجيل الجديد من (اللوكية) لغير القليل من اكسسوارات وديباجات التقوى والمزاودات الايمانية وقبضة من المفردات الرائجة اسلاموياً، كي يستلقوا عند ضفاف المواقع المحببة لتطلعاتهم الشرهة. وفي مواجهة مثل هذه الموجات والهرولات المتتابعة لقوارض المنعطفات التاريخية، لا سبيل ناجعاً سوى العمل الجاد لتجفيف مستنقعاتها وملاذاتها الراكدة، عبر اعادة الروح الى الضد النوعي لمنظومة الذل والهوان (الشجاعة والايثار)، والتي ما زالت جذورها وتقاليدها مطمورة تحت رماد وركام ذلك الشوط المرير من الخيبات.
جمال جصاني

مقالات ذات صلة

التعليقات مغلقة