154 يوما على النّزوح

المخيمات في المناطق الآمنة، وغيرها في إقليم كردستان تتوزع على مخيمات نظامية، وغير نظامية: باجد كَنداله. عقره. خانكي. باجد عذره… الإيواء المنظم يتعرّف بوجود خيم تطمّ البصر، وأبنية فورية للإغاثة. والإيواء غير المنظم مثل حشر ما يقارب «60» أسرة نازحة عن بكرة أبيها وأطفالها في قاعة أعراس!
بحدود «650» ألف أسرة في دهوك. مخيّم خانكي-2، يضمّ وحده «1000» نازح. في المقابل لا تأبه الطفولة بما يجري في الليل والنهار من صراع سياسي، ومواجهات فنية ضارية على الأرض مع برابرة الدولة الإسلامية – داعش. في السلم والحرب لايتنازلُ الأطفال عن بَسالةِ الضّحك في العراء.
يُمكن أن تلتقي هناك بالأطفال البالغين سنّ الكلام وهم يقولون لك: نحن الذين رأينا كلّ شيء! وهم يسردون بطريقتهم رحلة النزوح والهرب بالجلود من وحوش التاريخ الذين جاؤوا للحاضر والمستقبل بالذّبح، والتّقتيل، والسبي، وبيع الظلام على الملأ، وَيْ كأنّهم جامعو وجالبو سعادات!
في قاعة الأعراس، إياها، تَنحشر «60» أسرة نازحة، تشترك في حمّامَيْن -2- فقط، وتطعم نفسها على أربعةِ -4- أجهزة طبّاخ، فَتخيّل! وغالبا في مخيمات الإيواء غير النظامية تحدثُ الكثير من المفارقات. فعند انهماك موظّفي الحكومة بتسجيل الأفراد النازحين، يبدأ الوقت بالهبوط إلى المساء سريعا كما لو أنّ ساعةً رمليّة تنجرفُ بالجميع وهي تتنفّسهم، ثم تتجه عقاربُ ساعةٍ أخرى إلى باب القاعة حيث يدخل «مَعازيم» ومعهم زفّةٌ وهلاهل: إنه العرس، حيث تتلاقى الصورتان.. صورة الفرح بالعروسين وصورة الإحساس بالذل والألم الذي يغمر الأسر النازحة. دموع الحزن والفرح تختلط وتُربك السؤال عن الحياتين المفقودة، والمُقبلة. لنّ يحلّ الموقف الصّعب إلا حلاّل، لكنّ القلوب المَحروقة بنار بالإهانة.. المسبيّة والمقتولة والمُهجّرة من دفء الديار تجلسُ في الرّيح بانتظار الفرج، وتتطلع إلى الفرح لنَهارٍ ما يُقدّم لها طبَقَ الكرامة العَصيّ.
لا تُداوي منحة الــ «مليون دينار» الطارئة جرحا، على الرغم من القول إنها تسدّ حاجة، لا تلغي هذه المنحة المثل المضروب: لاتُحرق النّار إلاّ رجلَ واطيها. المطلبُ الأساس لهذه الحشود المبلوعة في العاصفة هو إرساء الأمن بما يُلبي عودتهم العاجلة إلى بيوتهم، وإنزالهم من بساط الريح الذي يتقاذفهم شمالا وجنوبا.
هجّ النازحون بأرواحهم من الموت الشرس. وإننا لواجدون ونحن نتحدث معهم أنهم غير معنيين بهوية، أو وطن.. هم معنيون بأجسادهم كيف يحافظون على بقائها من القتل. فهم بسبب فكرة الانتماء التي تُلوّنهم يتعذّبون. ومن جسامة الغضب صارت الفكرةُ عن أنفسهم شاحبة، وفي العراء لم يبقَ لهم غير جسدهم الهارب من الموت لامعاً بوجه الله!

مقالات ذات صلة

التعليقات مغلقة