الأخبار العاجلة

فتنة اللقاء مع الأصول

مايقارب النصف قرن، ظل المشروع التشكيلي للفنان ضياء العزاوي (1939) حافزاً على إثارة النقاش والتفكير وادامة حوار لم ينته بعد، عن العلاقة بين هوية العمل الفني والمرجعية الجمالية التي يتمثلها. تلك الأصول التي تغذي صيرورة النتاج الابداعي. جدلية كانت قد بدأت بدوافع تأسيسية في الفن العراقي الحديث لدى جيل الرواد، الا انها تحولت مع الفنان ضياء الى خبرة جمالية تديم حضورها من خلال الأسئلة.
العودة الدؤوبة والمنتظمة للموروث الحضاري هي بداهة وجدانية للفنان العراقي، لكنها أيضاً لحظة تبجيل لخصوصية منجزه الابداعي. ذلك لأن الارث لا يذهب، انه باق ومعه يمكن التسلل الى داخلنا الانساني.
بخلاف فنانين منظرين، مثل شاكر حسن آل سعيد ومحمود صبري، لم يختبر العزاوي أسئلته تلك، بوصفها طريقة معرفة تدل على اجابات تامة، وحين تكون ممارسة العمل الفني هي تفسيراً لرؤيتنا الأخيرة عنه. بل منهج تجريبي يخضع خلاله المنجز الابداعي لمعاودة البحث، والاكتشاف، ومساءلة التحولات التي يحققها.
تمرسه هذا بمنزلة فعل تنقيبي عن رؤية أصيلة آمن بها وتواصل معها بكدح وعناد أثاري. ماجعله من أكثر الفنانين فاعلية لارساء قيم الحداثة في الفن العربي، وأحد المنافحين عنها منذ ستينيات القرن المنصرم ومازال. ولطالما يستدعي تقديرها ومضاهاتها عند النظر الى تجارب معاصرة لفنون ثقافات أخرى. كان العزاوي يعلل فعل الالتزام هذا بضرورة المشاركة والتطلع نحو خبرة الآخر، أو مايصفه بعبارة «الالتفات نحو العالم».
فتنة اللقاء مع الأصول، وقدرة التمرس على استلهام الجانب البصري والابداعي من التراث، واستثمار القرابة مع التاريخ، والتطلع اللحوح للانغمار بروح العصر، جميعها هي من مزايا الخبرة الجمالية للفنان العزاوي. والتي أظهرت نتائجها عبر تحولات تجريبية طالت ممارسته التشكيلية المؤطرة دائماً بابتكارات مفعمة بفرادتها، ونتاج بصري متعدد التقنيات في صياغاته الـتأليفية.
ومنذ بدايات العقد الثامن من القرن المنصرم، لم تعد حدود لوحة الحامل واطارها المنتظم فضاء يكتفي بإظهار رؤيته الجمالية. كان ثمة تجارب فنية أخرى، مفعمة في حيويتها البصرية، تقيم خارج تقليدية السطح التصويري للوحة، والتي أنجز خلالها العديد من المجسمات النحتية الملونة. كان شديد الحذر من انغلاق مشروعه على نوع فني، وفكرة الالتفات نحو العالم تدعوه الى الانغمار في حساسية جمالية معاصرة تتطلع الى منجز ابداعي يتمظهر برؤية مغايرة.
ان العزاوي في ممارسته التشكيلية يعقد فعل مبادلة تجاه مركزية الفن الأوروبي وأساليبه الريادية في الحداثة. ليكون فيها الارث الحضاري، العراقي، والعربي، بمصادره البصرية، والكتابية بديلاً وحاضراً بمرجعياته الجمالية. كان ذلك الخيار الذاتي بمنزلة معادلة حسية واسلوبية خاصة بالفنان. فعل الانتماء الى الأصول لديه لم يكن على وفق نسق زمني وتاريخي، كان ذلك الموروث هو مادته الأساسية لابتكار أعمال فنية. في لوحاته، وسلسلة مطبوعاته الكرافيكية، وفي دفاتر الرسم، ، وحتى مجسماته النحتية الملونة.
تجربة تطلعت كثيراً للرحيل إلى الأبعد كي تحقق رؤيتها وعالمها الممكن.
سعد القصاب

مقالات ذات صلة

التعليقات مغلقة