الحكومـــة ومـأزق الموازنــة

سلام مكي *

في يوم10/11 من كل عام، ينبغي ان يقدم مشروع قانون الموازنة من قبل وزير المالية الى مجلس النواب بعد اقراره من قبل الحكومة. والمجلس بدوره أما يصوت عليه بالموافقة او التعديل لبعض الفقرات وبالحدود التي رسمها قانون الادارة المالية والدين العام. والا فإن الوزارة برمتها قد ارتكبت مخالفة قانونية صريحة، بتجاوزها لقانون نافذ وعدم التزامها به. ثم ان عضو المجلس قد ارتكب جريمة الحنث باليمين الذي اقسم بموجب المادة 50 من الدستور بالله العظيم على تأدية مهماته وواجباته القانونية بتفان واخلاص. فهنا لم يؤد واجباته القانونية والدستورية، حيث اعطت المادة80 من الدستور للحكومة صلاحية اعداد مشروع قانون الموازنة العامة والحساب الختامي… ولعل التحدي الذي يواجه حكومة السيد العبادي هي الموازنة، اذ ان موازنة العام الماضي لم تقر لحد الان، وهي مسؤولية سلفه، والان على حكومته ان ترسل موازنة العام القادم الى البرلمان في غضون ايام قليلة. فإذا لم ترسل الحكومة الموازنة في موعدها القانوني فسوف تكون قد ارتكبت مخالفة قانونية صريحة، بعد اشهر قليلة من توليها المسؤولية. ولكن السيد العبادي اذا علم بأن سلفه السيد المالكي، طوال مدة حكمه الثماني سنوات، لم يرسل الموازنة للبرلمان في موعدها المحدد طوال مدة حكمه، ولم يتجرأ أحد ويحاسب وزارته. لا برلمان ولا قضاء. فهل سيكترث بالقانون وهو على يقين بأن لا أحد سيحاسبه على مخالفته للقانون؟ كيف نقول أننا دولة قانون ومؤسسات اذا كانت السلطة ذاتها التي تنفذ احكام القضاء لا تحترم القانون؟ كيف نطلب من المواطن البسيط ان يحترم القانون اذا كان المسؤول الاول عن القانون والنظام لا يطبقه؟ اين الادعاء العام الذي اوكل له قانونه مهمة حماية النظام القانوني من الخرق؟ الا يدري السيد المدعي العام بما يجري من خروقات مستمرة للقانون الذي يأخذ أجراً من الدولة مقابل الحفاظ على هيبته عبر تطبيقه بنحو كامل؟ تصريحات البرلمانيين المتضاربة تدل على ان لا موازنة لعام2014! وهي سابقة خطيرة في تاريخ العراق، حيث لم تشهد الدولة العراقية طوال مدة تأسيسها ولغاية هذه السنة ان الحكومة فيها ألغت الموازنة لعام كامل، على الرغم من ان البلد لم يمر بسوى ظروف غير طبيعية، استثنائية، قد تكون اقسى واصعب من الظروف الحالية، والسلطة لم تكن ديمقراطية، ولم ينتخبها الشعب، وقيمة الموازنة لم تكن بحجم وضخامة مبلغ موازنة هذا العام. هناك الكثير من الاسباب التي ساقتها الحكومة لتبرير جريمتها الكبرى بحق الشعب العراقي وبحق القانون الذي اقسمت بالقرآن على تطبيقه كاملا. فمثلا ترى بأن وقوع البلد بين فكي الحرب مع داعش وقيامها بشراء كميات كبيرة من الاسلحة لمواجهة خطر داعش استدعى ان تكون تلك المبالغ على حساب الابواب الاخرى من الموازنة، كما ان انخفاض اسعار النفط في الاسواق العالمية ادى الى نقص كبير في الايرادات المالية للخزينة العامة للدولة. المعروف عن سوق النفط العالمية انها تخضع للعرض والطلب وبالتالي فإن الاسعار قد لا تبقى ثابتة اضافة الى السياسة الدولية التي تتحكم هي ايضاً بالأسعار، العراق يبني موازناته على افتراضات وتقديرات للأسعار غالباً ما تكون ثابتة، فموازنة العام الحالي التي قدرت سعر البرميل بـ90 دولاراً فإذا حصل تغير بالسعر وهو ليس بمستبعد ابدا، فإن خللاً ما سيصيب الموازنة. وفعلا، فقد انخفض الى مبلغ 80 و85 دولارا للبرميل وهذه المشكلة تتكرر في كل عام، من دون ان تتمكن الحكومة وخبراؤها ومستشاروها الذين يكلفون الدولة ملايين الدنانير شهريا ان يضعوا حلا لتلك المشكلة، وكيفية تفاديها مستقبلا، وبدلا من الحل، تصر الحكومة على السياسة نفسها ، عندما أعلنت وزارة النفط ان مبلغ 90 دولاراً هو مبلغ الموازنة المقبلة! في وقت تشهد الاسواق هبوطاً بالأسعار! اذا صح فعلا ان السياسة ذاتها ستتبعها الحكومة في موازنة 2015 فإن على الشعب الا يتوقع ان يكون العام المقبل افضل من السابق! فسوف نشهد عجزاً كبيراً في الموازنة، وسوف لا نشهد اكمال المشاريع الاستثمارية المعطلة منذ عام كامل، وسوف ترحل الشركات العالمية من دون ان تنجز شيئاً من عملها وقد ترفع دعاوى قضائية ضد العراق في المحاكم الدولية نتيجة لعدم وفاء العراق بالتزاماته. وسوف لا تكون هناك زيادة في رواتب الموظفين ولا صندوق الاسكان ولا الرعاية الاجتماعية ولا القروض الشخصية. سيتمنى الموظف ان يبقى محافظاً على راتبه خوف ان تقوم الدولة بتقليله او استقطاع جزء منه لأسباب عدة يمكنها اختراعها. اعلان حالة التقشف في الانفاق، سيكون مبرراً لأن تسلب الحكومة حقوق الكثير من شرائح المجتمع، من دون ان تتجرأ على مس امتيازات الطبقة السياسية والادارية التي تكلف الدولة شهرياً ملايين الدولارات من دون ان يقدموا شيئاً ملموساً، ما عدا بعض اوجه الانفاق التي لا تقارن بالأوجه الاخرى، اذ الغت الايفادات فقط، وهذه ليست بتلك الدرجة من التأثير على الانفاق مثلما هو تأثير الدرجات الخاصة والنثريات ووو.. اليوم نحتاج الى اجراءات كثيرة لضمان عدم العجز في الموازنة، نحتاج الى عقول حقيقية تفكر في مصلحة البلد قبل كل شيء، ولها خبرة في ادارة الدولة وقت الازمات والظروف الاستثنائية التي يمكن ان تمر بها اي دولة، نحتاج الى اعادة النظر بالإنفاق الاستهلاكي والتشغيلي، حيث تذهب كميات ضخمة من الاموال الى فئة قليلة وهذه بدورها قد تحولها الى الخارج، نحتاج الى تقليل الدرجات الخاصة وتقليل حجم الوظائف التي تمنح بناءً على المحاصصة والتي غالباً ما تكون رواتبها عالية جداً، نحتاج الى عقلية تفكر في كيفية التخلص من النفط كمصدر وحيد للمالية العامة، اذ لا بد من باب آخر للإنفاق بحيث نضمن استقراراً في مبلغها الكلي. نحتاج الى خبراء في قطاع النفط يمكنهم ان يجدوا آلية لتطوير الصناعة النفطية وبالتالي زيادة الانتاج الكلي للنفط، حيث يمكن تعويض انخفاض الاسعار بالكميات المصدرة. اذا بقيت الحكومة بهذه السياسة العقيمة والفاشلة، فعلينا الا نتوقع بناء طابوقة واحدة او تبليط شارع او بناء مستشفى، بل ستكون هناك رواتب وامتيازات كبيرة لفئة قليلة جدا وهي فئة السياسيين ورواتب للموظفين فقط، بلا مشاريع ولا خدمات.

* كاتب عراقي

مقالات ذات صلة

التعليقات مغلقة