الأخبار العاجلة

من وليم فوكنر الى طه حامد الشبيب انموذجا
للباحث سعيد الروضان

قراءة الصورة في الرواية

محمود خيون

لقد عودنا الباحث والمترجم والناقد الكبير سعيد الروضان على تناوله موضوعات ذات أهمية كبيرة وخصوصية أدبية تستحق العناية والتركيزفي التمعن بكل محتوياتيها الإبداعية والفنية والمهنية، إذ أن اختيارات الروضان تأتي بدراية مسبقة ودراسة معمقة لتلك الأعمال المرادالوقوف عندها في مجالات الشعر والقص والرواية، نالت إعجاب واستحسان الكثير من المهتمين والدارسين ومن بينهم من صار علما منأعلام الفكر العربي أو الغربي حتى أصبح مدرسة تتميز بشخوصها ودلالاتها المثيرة للجدل والإعجاب ومنها من نال جوائزا عالمية مثل نوبلوغيرها …واليوم ونحن نتأمل منجز الباحث سعيد الروضان (الصورة في الرواية من وليم فوكنر إلى طه حامد الشبيب انموذجا )…نرى أنهأختار شخصيتين مثيرتين في ثرائها الأدبي والإبداعي.. الروائي العراقي طه حامد الشبيب والكاتب الأميركي وليم فونكر، الذي يعد من بينالرموز كأحد رواد القصة والرواية الأميركية الحديثة، والتي استوحى النقاد العديد من أعماله لدراستها وتقييمها وتحليلها من مختلف الزواياوالمنظورات كغيرها من الأعمال الأدبية…واستلهم( فوكنر معظم أعماله من مسقط رأسه، ميسيسبي، حيث يعد أهم كتاب الأدب الجنوبيبالولايات المتحدة الأمريكية، ينظم إليه في نفس القائمة مارك توين روبرت بين وارين وتوماس وولف وهاربرلي، وينتيسي ويليامز وفلانرياوكونور..
ومن الجدير بالذكر أن فوكنر كان قليل الشهرة قبل فوزه بجائزة نوبل للآداب لعام ١٩٤٩ بالرغم من أن أعماله نشرت منذ عام ١٩١٩ وفيعشرينيات وثلاثينيات القرن العشرين، وهذا يعتبره البعض الآن أعظم روائي في التأريخ )….
ومن أشهر مؤلفاته( راتب جندي ) و( الصخب والعنف) و( بينما ارقد محتضرة ) و( نحو النجوم) و( وردة لا مبلي) واللصوص والبعوضوغيرها….
وفي بحثه أكد الناقد الكبير سعيد الروضان أن تطور الصورة عند فوكنر جاءت في مرحلة عدت( بالمرحلة الأولى الناضجة ) ومنها رواية( نورفي اب ) كنموذج من بين الروايات الأخرى…
ويشير الروضان أن رواية( نور في اب ) والتي صدرت عام ١٩٣٢ أنها تقترب أكثر من سابقاتها من واحدة من ثيمات الكتاب الرئيسية الاوهي سقوط الرجل الأبيض، ينبع من عجزه عن مساعدة الزنجي في معاملة الإنسان للانسان…وكان ظهور هذه الرواية في مرحلة من تدفقالعبقرية كالسيل…والتي وصفها الناقد ريتشارد روفير « أنها تفجر الطاقة الخلاقة ولعلها ستعتبر ذات يوم مرحلة لامثيل لها في الخصوبة مربها أي كاتب أميركي آخر « …
وهنا لابد لنا أن نتأمل الصورة التي أراد فوكنر تجسيدها في( نور في اب ) والدلالات التي يريد الكاتب أن يظهرها على السطح، فالضوءوالنور هما مبعث الوضوح والضياء وتحطيم خيوط العتمة والظلام، ولماذا أراد لهما هذا التوافق الأزلي وزجهما في أجواء أب اللاهبة التييتسرب منها خيط الحرارة إلى ما يشبه اشتعال الأشياء ومن ثم البحث في حيثيات الظل الذي يوضح الصورة أكثر فأكثر….ولماذا كل هذاالوصف المريب….وهل يريد فوكنر أن يذهب بالقارىء بعيدا حيث ضنك الحياة والماساة التي يعيشها الإنسان بين تلك الرموز كون أن( الصورة تعمق الثيمة بأعتماد اللون، الحركة والموسيقى..) ..ام أن عنوان الرواية جاء محض صدفة خرج بها الكاتب من بين مخاضهاالعسير..فكانت الصور ( نور في اب ) ..
إلا أن الباحث الروضان يؤكد لنا عكس ذلك وبان العنوان في رواية( نور في اب ) يمثل ومضة، أي صورة خاطفة تمنح القاريء صورةللتناقض التكاملي بين النور،الضوء، الدفق وسخونة شهر آب اللافحة…ويرمز الروائي بولادة رضيع «ليناكروف « إحدى الأبطال الاساسينفي الرواية في هذا الجو المجدب الخالي من الرحمة .
وتجدر الإشارة إلى أن الرواية تستهل مسيرتها بتداعي البطلة البيضاء ليناكروف وهي تحمل جنينها في بطنها، أنها تحدث نفسها( جئت منالاباما…مسافة طويلة ).
ولايفوتنا ان نذكر بأن الروائي أراد أن يعيد إلى الأذهان الصورة ذاتها بالمقارنة وبأسلوب التداعي ( الفلاش بك ) « القطار يمكن إيقافه برايةحمراء لكن الأمر المعتاد هو أن القطار يظهر بين التلال المخربة بفجاءة الشبح ويعول عويل السعلاة التي تنذر الناس بالموت، مارا عبر القصبةالاصغر حجما من قرية، فكأنها خرزة منسية سقطت من خيط مقطوع « …
وبهذه الغرائبية في بنية السرد الدلالي لتحركات شخوص فوكنر واحاديثم التي جاءت بمناخات ملتهبة من التساؤلات والريبة التي خلفتشعورا لدى القاريء بأن الكاتب أراد توصيف عربات القطار وهي تبدو ككتل داكنة تشبه إلى حد ما التلال( المخربة) ..
وهنا يقودنا الباحث سعيد الروضان إلى أجواء تلك الملحمة التي أرادها وليم فوكنر أن تكون هكذا ( نور في اب ) اللاهب الحارق والجاف ..
وقد شمل بحث الروضان على تناول موضوع الصورة في الرواية الفرنسية الحديثة والذي فيه يبين أنه لم يتم تناول موضوع الصورة فيالرواية إلا من قبل العالم ستيفن اولمان الذي أمضى عمره في بريطانيا وكتب في الأسلوب والدلالات وبقي في الظل بعيدا عن الدارسينوالنقاد في جميع أنحاء العالم…وهذا مااكده الناقد محمد أنقار في مقدمة كتابه « الصورة في الرواية الفرنسية الحديثة « بأن الإتجاهالبنيوي في فرنسا خسر الكثير عندما لم يقدم على ترجمة كتب بلاغية يراها أساسية في سياق النقد الروائي.. يذكر أن اولمان تناول فيدراسته أعمال أربعة من الروائيين الفرنسيين وهم أندريه جيد والبير كامو والآن فورنييه مارسيل بروست، منطلقا من أهمية الصورة النثرية فيسياقها الروائي…
وتعد الصورة النثرية أو الشعرية في بناء الرواية الفني من أهم مقومات العمل الدرامي أو السردي المشحون بتراجيديات تجعل الذائقة لدىالقاريء أكثر إحساسا بالنشوة والمتعة في تواصل القراءة أو تكرارها في بعض الأحيان ..مثل روايات الساعة الخامسة والعشرونلكونستانس جيبو جيو واعترافات رجل من الجنس الأبيض لهمبرت همبرت والمرآة المكسورة لاجاشا كرستي ..وقد نجح في ذلك الباحثوالمترجم الكبير سعيد الروضان في إضافة معطيات ودلالات كثيرة وواضحة بشأن تطور العمل الروائي ذات الطابع النثري أو ما يتقارب بلغة الشعر المركز أو مايسمى بالنثر..
وفي مدخل(الصورة في الرواية العراقية ) …يقول الروضان بأنه لا يختلف رأيان بندرة تناول دارسي ونقاد الرواية والقصة العراقيين لموضوعة( الصورة في الرواية العراقية ) ابان ذروة النشاط النقدي في الخمسينيات والستينيات من القرن المنصرم لأسباب معروفة منها..تأخر ظهورهذا المنجز عالميا، والضعف الواضح في حركة الترجمة وضعف التواصل الاجتماعي والثقافي في العراق مع دول العالم المنتجة للثقافةوالتنوير كذلك تفاقم كبت الحريات الديمقراطية وما رافقه من هجرات اعداد كبيرة من المثقفين وانكفاء العديد ممن بقوا في الداخل والتييمكن تسميتها ب (الهجرة الداخلية) بعيدا عن الهم الثقافي…الحصار الإقتصادي الذي فرض على الشعب العراقي وما رافقه من إنهيارللطبقة الوسطى التي تمثل المعين الأساس للثقافة العراقية وبحسب وصف الباحث…
وفق الروضان في هذا المدخل إذ تطرق إلى موضوعات غاية في الأهمية إلا وهي أن حركة الثقافة في البلاد قد تأثرت كثيرا بتداعيات الوضعالعام والظروف القاهرة والعصيبة التي كلفت الناس الكثير من الخسائر المادية والمعنوية..ولعلي أتذكر كلمات معبرة للناقد الدكتور عبد جاسمالساعدي يقول فيها( أن استعادة ذاكرة الماضي وحدها مالحق بها من جراء الإحتلال الأميركي والحرب على العراق تثير الفزع وترسم صورادراماتيكية لآ تزال قائمة في احاديث الناس وحواراتهم ومشاهد الرعب التي يشكلونها..).
وفي الحديث والمقارنة مع الصورة في الرواية العراقية بعد ٢٠٠٣ وكنموذج رواية الكاتب طه حامد الشبيب « عن لاشيء يحكي « والتي يقولعنها الباحث الكبير سعيد الروضان أنها رواية تزخر بالصور الموحية والمحملة بالدلالات البلاغية ويصل العدد الكلي إلى أكثر من مائة صورةولايمكننا الجزم هل أن الكاتب أطلع على منجزات الصورة في الرواية، أم أنه كتب روايته بسليقة وحنكة روائية عالية وهو الذي أنجز أكثر منخمس عشرة رواية.
لكن رواية(عن لاشيء يحكي )والتي يتعامل بها كاتبها طه حامد الشبيب بلغة وسطى بين الفصحى والعامية ذات الجذور الفصيحة أوالعامية العراقية التي أضفت على الرواية المحلية، يمكن أن تصل بها إلى الغرائبية التي اذهلت القراء في جميع أرجاء المعمورة كما فعلماركيز(وكلاهما من تلامذة وليم فوكنر )يلجأ الكاتب إلى أسلوب مبتكر وتكنيك جديد تماما، من خلال تدوال بطل الرواية الأعمى « حمادي» كلمات فصيحة تلقاها على يد شيخه الذي حفظ القرآن الكريم في مجالسهم..
ويتبين لنا أن الكاتب طه حامد الشبيب قد تأثر بما كتب من روائع عالمية ابتكرت فيها أساليب جديدة في البناء الفني القصصي والروائيحيث السرد المتأني بالمحادثة والسيناريت وليس السرد المتلاحق او السريع الوصف بحيث يجعل من القاريء يلهث وراء معرفة النهايات التييريد أن يوصله لها المؤلف مثل رائعة ماركيز(مئة عام من العزلة ) و ( الحب في زمن الكوليرا ) ..أو( مدينة البهائم ) لايزابيل الليندي وهي رواية( يمتزج فيها السحر مع المغامرة والدعاية والطبيعة حيث تغوص في أعماق الإنسان من خلال شخصيات مغامرة تنتمي إلى أجيال امزجةمتباينة..)..
وفي باب ( الصورة التشخيصية) ..يوضح لنا يتضح لنا بأن الروائي طه حامد الشبيب قد تعمد السير في هكذا دهاليز ليذهب بشخوصه إلىأبعد الآفاق وهي المصاعب والويلات التي واجهها الناس جراء الحروب المتلاحقة والصدامات الداخلية والفوضى والخراب والدمار الذي طالكل شيء بعد أن فقدت الحياة خاصيتها لدى الجميع فراحوا يعيشون في أجواء مشحونة بالحقد وحب الإنتقام في محاولة لسد الفراغاتوشبح التحرر الزائف…وهذا مايتضح جليا في أن تختم الرواية بتضحية كلبة حمادي( درة) هي وجرائها الخمسة التي أحرزت خمسا منالصور التي ساهمت في إغناء العمل الروائي بلمحات الوفاء لحمادي والدفاع عنه لدرء هجوم المسلحين…وصورتها الأخيرة وهي تنازعوجرائها الارماق الأخيرة وسط دمائها الغرثى…
أغنى الباحث والمترجم والناقد الكبير سعيد الروضان صورته وتحليلة في جوانب مهمة من الرواية والمقارنة بين قطبين كبيرين وشاسعين فيساحة الإبداع بما يكفي لإشباع رغبة القاريء والدارس من المعرفة والدراية بهذا الفن الفريد.

مقالات ذات صلة

التعليقات مغلقة