الأخبار العاجلة

«سائق الحرب الأعمى».. بلاغة السرد وشعرية المخيلة

عبد الكريم كاظم

تسعى الكتابة الروائية التي يجترحها أسعد الجبوري، في روايته الجديدة/ سائق الحرب الأعمى؛ إلى أسلوب سردي مغاير لنبذ الحرب من دون أن تكون هناك مقدمة تقليدية تتحدث عن الحرب وتداعياتها، وهذا يعني أن على القارئ أن يتلاءم مع انكسار أفق التوقعات المتصلة بالأحداث والشخصيات.
في مستوى من مستويات قراءة أسعد لموضوعة الحرب، تتمحور المعاني التي يوردها الرائي على انتهاك الشكل السردي المتصل بالنص في حين يذهب القارئ إلى اللغة التي تقول ما يريده النص، وأن هناك مساحات سردية تلعب فيها المفارقات اللفظية ويتكفل المعنى بكشفها مثلما يحاول الرائي أيضاً أن يؤكد هذه المفارقات عبر لغة روائية تقول بطريقة نادرة كل ما تزعم أن تقوله عن الحرب مخالفة بذلك الكثير من النصوص الروائية التي تناولت موضوعة الحرب، بأسلوب شائع، من دون أن تقول ما يمكن قوله.
يمكننا القول هنا: إن أسعد يطرح أكثر من فكرة دارت في أكنافها سرديات أو حوارات كثيرة، كما ترى القراءة، لولا أن الرائي يتفرد بمنظومة سردية لتسلسل الأحداث وتداخلاتها الفنتازية الميلودرامية أو المواقف والتفصيلات والإشارات التي تندرج عليها فكرته، بمعنى آخر انه لا يتعاطى مع يقينية اللغة والمعنى أو ضرورة المعايير الشائعة التي تحدد المعنى وتضمن للغة أن تؤدي غرضها الروائي، المتصل بالحدث والمكان والزمان، ويظهر أنه لا يتعاطى أيضاً مع النص الروائي حين يقرر أن لغته لا تتوافر إلا على القطيعة السردية التقليدية المتصلة بالكتابة الروائية، اللغة التي لا تعرف ما تريد أن تزعم قوله.
إن القارئ ليتوجس حذراً ويتحرّز أحياناً لفرط ما تنطوي لغة أسعد على أساليب حوارية متشابكة يمتزج فيها الشعري بالسينمائي أو صياغات صادمة وذهابات جامحة نحو ما تتحمس له القراءة النقدية، هذا على الرغم من أن القارئ النقدي، كما يظهر لي، لا يمتلك أن يخفي إعجابه بالمقدرة السردية المميزة والالتقاط الجمالي اللذين يتوافر عليهما الرائي وهلة مواجهته للمعنى المتصل بماهية الحرب، ومن تداعيات لغة أسعد المشحوذة أنها تكاد توحي بتماس صاحبها مع فكرة روائية مضادة في الكثير من الموضوعات والأحداث والالتقاطات.
يتحدث الرائي في الكثير من مواضع روايته عن اسقاطات الحرب والزواحف الرملية الصحراوية والمواد الكيمياوية التي استعملتها أميركا، التي تضع الذات في مواجهة الخوف من الموت، وبدلاً من أن يجرى التخلص من هذه الاسقاطات يُعاد إنتاج فكرة الخوف في مساحة سردية مناوئة تماماً للمعنى وتحت مسمى جديد يقترحه الرائي، هو الخوف ذاته.
إن مثل هذه الإحساس بالخوف قد تجلى، أيضاً، في عدة صياغات سردية لدى الرائي، يمكن الإشارة من بينها إلى قوله: (لا لعب هناك إلا مع الموت ومشتقات الموتـ ص95). (فالذهاب نحو الخليج لا تعد رحلة سفاري في صحارى تلك البلدان بقدر ما هي مهمة موتـ ص101) (ليس في الحرب مفاضلة إنها مقبرة إكلينيكية حتى بالنسبة للأحياءـ ص197).
يمكن القول: إن رواية سائق الحرب الأعمى أسهمت في تفسير الخراب الموازي لتداعيات الحرب عبر أكثر من شكل من أشكال الكتابة الروائية، وبمعنى أدق يشعر القارئ كأنه أمام مجموعة من النصوص الروائية وقد أدت هذه الحالة، في مستوى أول دوراً فنياً في هذا الصدد المتنوع، كما حرص الرائي على إثبات ذلك التنوع عن طريق التداخلات النصية المختلفة بين الشخوص والأحداث والحوارات، ويستطيع القارئ المتتبع، بدقة، أن يلحظ أن قسماً كبيراً، من النص- النصوص، إنما يعود إلى الدور الذي أدته مخيلة الرائي التي اعتنت، في الوقت نفسه، بتكثيف المعاني ونقل آثار الحرب بلغة إنسابية عكست بنحو لافت أثر الجنون والخراب في بنية الإنسان ونسيجه الاجتماعي والحياتي واليومي. إذاً، تظهر دعوة أسعد الجبوري في روايته المتشعبة إلى إعادة احتواء المخيلة بأسلوب مغاير، ضمن نطاق المعرفة السردية المتصلة بالكتابة الروائية، وبوسعنا أن نشير هنا إلى أن الرائي في نصه أو نصوصه المتداخلة أو دعوته تلك لا يغفل، كما يظهر لي كقارئ، أسئلة مهمة تمس طبيعة الكتابة الروائية عن الحرب التي تحتكر، بدورها، العنف بمنتهى الأساليب والممارسات الجنونية، وقد كان هذا المحور، أعني الجنون، عاكساً بجلاء لما يشبه حالة من أسلوبية الكتابة التي كانت تتشكل حول الحرب، من مواقع مختلفة أيضاً ومتماهية مع طبيعة النص الروائي نفسه.
لنتأمل هذه الالتقاطات على لسان الأب غرين وهو يتحدث لابنه زولا: (لقد فتحت بلادنا لصدام حسين سيقانها، فهاج وماج كحيوان بكامل غرائزه، وما أن كادت تصل متعته إلى الذروة حتى اكتشف الديكتاتور الوضيع بأن لأمنا أميركا فخاً لا فرجاً ص- 104).
إن الذي يتبدى من مجمل الحوارات السردية في هذه الرواية، هو أن السرد، نفسه، يتحرك في فسحة جمالية تذهب تخومها نحو ما هو أبعد من فضاء المخيلة، وهذا ما يجعل القارئ النقدي متسائلاً: هل السرد أفق يتحقق على مستوى النص؟ أم هل هو أفق يتحقق على مستوى الخيال؟ أم هل هو أفق يتحقق على المستويين؟ أسئلة نقدية مطروحة برمتها للتفسير لا للمساءلة، فالرائي، على مستوى السرد، يجد نفسه مضطراً، جمالياً، للاختيار بين هذه المستويات التي يتيحها المعنى، بل إن أستراتيجيات النص الروائي تقتضي وضع الأسئلة المتماهية مع المخيلة نفسها تحت طائلة سؤال آخر قد يطرحه القارئ: هل هذه التساؤلات ضرورية؟ لقد قدمت بعض النصوص الروائية المختلفة إجاباتها المتباينة عن مثل هذه الأسئلة عن طريق (بعض) القراءات النقدية المعرفية والمستفيضة، وكان الناقد الروسي ميخائيل باختين في كتابه/ الخطاب الروائي- ترجمة محمد برادة، يرى (أن المعنى في الجمل السردية).
وكان الروائي الألماني المعروف بمشاكساته مارتين فالزر يذهب إلى (أن المعنى في المخيلة السردية) أن هذه الإشارات تحلينا على حركية المخيلة مما يعني أن المعنى يتصل بنحو أو بنحو آخر مع جمالية السرد وبلاغته أو مع مخيلة السارد وشعريتها.
يقول بول دي مان في كتابة: العمى والبصيرة- ترجمة سعيد الغانمي: (إن النص يقوم بتفكيك ذاته) من هنا يمكننا القول: إن نص أسعد متنوع بحيث إن ما يحدث في النص يحدث ما بين الرائي ونصه من جهة والقارئ وتفسيراته النقدية من جهة أخرى، وهذا الأخير يقرأ النص بالمستوى التركيبي السردي المتنوع عبر البحث عن شبكة العلاقات الروائية (الداخلية والخارجية/ الزمانية والمكانية) داخل النص وعليه أن يستعين أيضاً، أعني القارئ، بالاستقراء، الموازي لموضوعة الحرب، ليصل إلى نتائج، تتصل بالقراءة النقدية، تبحث عن اكتشاف المعنى المتصل بالحرب وبنحو مغاير مما يجعل للنص، ذاته، الكلمة العليا في تحديد الدلالة أيضاً وبناء المعنى ثانية، وأن القارئ لا يفعل ذلك فحسب وإنما يتكئ أيضاً على أن النص الروائي المتنوع يمثل نفسه بنفسه مثلما يفككها وأن هذه الصياغات السردية المتنوعة لا تسلب القارئ قدرته على إنجاز تفسير نقدي واع يتخذ موقعاً موازياً من النص للكشف عن تعارضاته وتداخلاته، تداعياته وإشاراته ورموزه التي لا يكتبها الرائي مباشرة بل بطريقة مشفرة.
من هذا المنطلق قد يتفق القارئ مع استراتيجيات النص الروائي الذي يكتبه أسعد الجبوري، وفي هذا المقام نشير أيضاً إلى عبارة رولان بارت في كتابه، مغامرة في مواجهة النص- ترجمة وائل بركات: (نحن نتفق مع النصوص التي تستعمل أنظمة شفرية، تعكس إستراتيجية معينة ضمناً) ومن هذه الإشارة أيضاً نعاين هذا الزخم الكبير من السلوكيات أو الاسقاطات التي تمارسها شخصيات الرواية ونعاين في الوقت نفسه الربط الوثيق بين أسماء الشخوص الروائية ودلالاتها (الأب غرين، والأم جوليا أو روش (اسم مستعار) صاحبة الرسائل الغرامية الساخنة، والأخت أديث وزوجها الايروتيكي، والأبن زولا، والخادمة فوجي، ووليم خطيب أديث، وماتيلا جيمس، والمسيو رونن، وماسفيلد، الكولونيل وسامسن، والجنرال فوكسل، والجنديين: كلاوس- وتريام الزنجي المسلم، والدكتور قيس، والدكتور موفق، والمترجمة منى) وقد يتساءل القارئ حين يدخل في دوامة التأويل المتصلة بهذه الأسماء فضلا عن إشارات أخرى تكمن في القصدية المتماهية مع حرب الخليج الثانية.
ثمة إشارات سردية ساخرة تتحرك في فضاءات النص، إشارات يقترحها الرائي من خلال اللغة السردية نفسها لتضمين معنيين مختلفين أحدهما بمعنى الألم والآخر بمعنى الصمت، وبمقابل هذه الحالة تكون سخرية الرائي متطابقة مع واقع الحرب وجنونها وتصدعاتها، لنقرأ بعض هذه الإشارت: (فيما انطلقت عيناي نحو أنوف الدبابات التي كانت تنام وراء السواتر الترابية وكأنها على وشك العطس/ ص110) (فلم يكن للألمان وحدهم عبقري مثل بيتهوفن حيث ختم السيمفونية التاسعة بنشيد الفرح، كذلك لدينا نحن جورج دبليو بوش صاحب ألحان التوما هوك والقنابل الانشطارية الذكية).
خاتمة: إن الحرص الدائم على ربط جلجامش بالكثير من النصوص الأدبية قد يأتي بحسب ما يقوله أو يسميه أستاذ الأدب الأنجليزي تيري إيجلتون في كتابه المعنون مقدمة في نظرية الأدب- ترجمة أحمد حسان: (إدراكاً للنص بإشارات تأريخية) فقد أفسح الرائي للقارئ فرصة التدخل في تفسير ما حدث لجلجامش في الفقرة المتصلة ببحثه عن الخلود مع موضوعة الحرب، ولما كانت مساحة اشتغال هذا الجزء من التأريخ مستوعبة للشروط الفنية التي تعاملت مع التفكيك المتصل بالحدث انطلاقاً من فضاء الخلود، ومن جهة أخرى فإن منحى أسعد الجبوري السردي لا يعد مستغرباً بالنظر إلى بعض فضاءات الحوار الروائي بين الشخصية المحورية زولا والمترجمة منى، فضاءات تتصل بجماليات اللغة وامكانياتها التعبيرية المتشابكة باصداء تأريخ رمزي يمزج الأصداء نفسها، لنقرأ بعض هذا الحوار: (أليست هذه بلاد جلجامش التي خيبت أرضها أحلام الرجل فلم يجد عشبة خلود ولا قاتاً؟) (ولأن جلجامش لم يحقق حلماً واحداً من أحلامه) (ما من قلب في في وادي الرافدين إلا وكان مكسوراً كتفاحة من زجاج، أي سرّ ذاك بحق السماء؟ ص245).

مقالات ذات صلة

التعليقات مغلقة