حقل رماية

وسط مناخات التحشيد والتجييش عند حافات الخنادق والمتاريس المترصدة لبعضها البعض، لا أحد يلتفت الى الاسباب والظروف التي جعلت احد أجمل الاوطان واكثرها ثراء وغنى، لأن يتحول الى (حقل رماية) ينفذ فيه وكلاء الاستثمارات الاقليمية والاجنبية المحليون، عبر قواعدهم الشعبية المترنحة على ايقاعات وتراتيل الغيبوبة العظمى، مهمة نهش ما تبقى لهم من آمال واحلام مشروعة في العيش كبقية الامم التي أكرمتها الاقدار بنعمة الأمن والاستقرار. فلم يمر وقت طويل على نهاية حقبة (البوابة الشرقية) حتى شرعت ابواب جهنم كلها على ما تبقى من حطام تلك التجربة المريرة على تضاريس الحديقة الخلفية لقريش والقبائل المتجحفلة معها. في حقبة الجنون الجمعي هذه، لا جدوى من طرح التساؤلات المشروعة، حول معنى وجدوى مثل هذه المعارك والحروب المتواصلة على مرتفعات ومنخفضات وسهول هذه المستوطنة القديمة. ولا عن القوى والغايات الشريرة التي تقف خلف كل هذا الاصرار على اشعال الحرائق واطلاق القذائف والرصاص، برغم كل المآسي والكوارث التي حلت علينا من هذه النوبات المسعورة، ما زال القوم يعدون محشرهم في حقل الرماية عيداً.
لقد تضافرت عوامل وشروط مختلفة، في نكبة هذا الوطن وتحوله الى أكبر وأرخص حقل لتفريغ احقاد وثارات الآخرين التاريخية والعقائدية والشعبوية وفضلات الاشتباكات اللاحقة. ومع هذه المناخات من الغيبوبة وانحطاط الوعي وخوار العزم والحزم في الموقف من مثل هذه القسمة الظالمة في الوظائف والادوار والاقدار العاثرة، يصعب ترقب نهاية قريبة لمثل هذا النحس التاريخي. خاصة مع التطورات التراجيدية في الاحداث، حيث الهيمنة المتعاظمة لقوى وجماعات وزعامات تخصصت في الاستثمار بمثل هذه النزاعات التي يتحول فيها سكان تلك الحقول الى أكياس رماية على أطراف المتاريس المتقابلة. وبعيداً عن كبسولات «نظرية المؤامرة» ووصفتها السحرية لكل داء وبلاء، فان الخروج من هذه الدوائر القاتلة والادوار المتنافرة ومصالح الوطن والناس، لا يمكن ان يكتب له النجاح؛ من دون ولادة ردة مضادة للردة الحضارية والسياسية والقيمية المهيمنة حالياً على المفاصل الحيوية للدولة والمجتمع. وهذه هي مسؤولية اجيال جديدة، تضع حداً لمثل هذه الادوار المشينة، عبر قطيعة معرفية وقيمية وكل ذلك السكراب من المنظومات العقائدية المسكونة باذلال واهانة البشر من شتى الرطانات والقناعات والازياء. ومثل هذه الخيارات الشجاعة والمجربة، متاحة اليوم بفضل الفتوحات العلمية وتقنيات التواصل والاتصال، والتي تؤكد حقيقة؛ ان الوعي والالتزام بقيم الحداثة والحقوق والحريات هو وحده من ينتشل المجتمعات من مثل هذه الوظائف والادوار المشينة.
جمال جصاني

مقالات ذات صلة

التعليقات مغلقة