الأخبار العاجلة

محنة الاغتراب

ليست محنة الاغتراب تتعلق بالمكان فقط، وإنما تتخطاه بشكل أعمق واشمل لتبلغ مستويات دفينة من الأحاسيس الروحية ذات الصلة بالزمان وجوهر الإنسان أيضا وليس بالمكان فحسب. الاغتراب شعور نفسي مركب ومعقد ينتاب الفرد وهو في داخل وطنه، بل وداخل قبيلته أو عشيرته أو بلدته أو قريته، أو حتى في نطاق إسرته الصغيرة الخاصة. الاغتراب مفهوم نفسي بشري جرت حوله الدراسات المعمقة والمستفيضة على الصعيدين العلمي والأدبي. ومن أكثر الكتاب والأدباء العالميين احترافا بهذه الشأن الألماني برتلورد بريخت ومواطنه الأديب الكبير هيرمان هيسة. الأول صاحب «دائرة الطباشير القوقازية والثاني صاحب العمل العالمي الكبير ذئب البراري».
الشخص المغترب يمكن ان يكون إنسانا مختلا نفسيا بطريقة من الطرق. هو ليس عدوانيا بنسبة مخيفة، وإن كان يظهر مثل هذه النزعات بعض الأحيان. لكنه بالمحصلة شخص مختل نفسيا بطريقة من الطرق المسالمة والمنطوية على ذاتها. إنه شخص لا يشعر أنه بالمكان الصحيح ولا بالزمان الصحيح. إنه خارج هذه النطاقات المعهودة لدى البشر الطبيعيين الآخرين. إنه ليس مثلهم على الإطلاق. لذلك يشعر بالوحشة المطلقة ويحاول الهروب إلى عالمه الداخلي لكن في أغلب الأحيان لا يعرف جيدا كيف يمكنه أن يحقق ذلك في الواقع. وهو محاصر ابدي بين جدران وهمية يخلقها بموهبته الذاتية ومشاعره الخاصة. لا تجعله يفهم المحيط الذي يعيش فيه ولا تمّكن الآخرين المحيطين به لكي يفهموه بشكل صحيح.
هنا تتعمق الهوة بين الشخص المغترب وبين محيطه الغريب والشاذ حسب تقديراته الذاتية والحسية والشاعرية الخاصة.
هذا الأمر يحدث في كافة الدول، وكافة المناطق الحضرية والريفية والبدوية على السواء. ومن أبرز ما تعرض لهذا النوع النفسي من الاغتراب في الأزمان الشاعر العربي الصعلوك الكبير طرفة بن العبد حين قال لقومه «وأفردتُ أفراد البعير المعبّد»، ومطلع معلقته الشهيرة «لخولة أطلال ببرقة ثهمد.. تلوح كباقي الوشم في ظاهر اليد» وهذا إعجاز بلاغي وصورة كيميائية لم يتوصل لها لا الحس ولا التصوير البشري عند التمعن بها جيدا وحرفا بحرف.
كتب الشاعر الألماني الكبير هولدرلين بعد عودته إلى وطنه بعد غياب أربعة أعوام من دراسة الفلسفة الإغريقية باليونان:»عدتُ إلى أهلي وأنا غريب بينهم».
صار لي بضعة أشهر أريد زيارة أمي وأصدقائي في العراق؛ يجرفني الحنين المبهم حتى بات الوقت ليس له معنى والزمن تلاشى والأمكنة ليست لها مذاق محدد. لا يمنعني أحد؛ كل ما يمنعني هو العراق ذاته. كل ما يمنعني هم المجرمون والقتلة التافهون الذين ربما يمرغون وجهي بالدماء بدون اسباب. هذا هو المعنى الحقيقي للاغتراب.
علي عبد العال

مقالات ذات صلة

التعليقات مغلقة