جماعة «فكر القائد»!

خلال الثمانينيات والتسعينيات كنت، وأنا في المهجر، أتابع إذاعة بغداد، وبين ما كنت أستمع اليه، برنامج يوثق مناقشات رسائل الماجستير وأطاريح الدكتوراه في الجامعات العراقية. كان يصدمني سماع رسائل وأطاريح موضوعها «خطابات القائد» و «فكر القائد» و»لغة القائد» وهكذا. المناقشة عبارة عن إشادة تنتهي بقبول بدرجة جيد جدا أو امتياز. كنت أشعر بالاسى على التعليم العالي الذي كان سيزداد سوءاً بعد انضمام أكثر هؤلاء الى طاقمه التدريسي.
بعد سقوط النظام، سألت عن تلك الاطاريح فقيل ان لجنة من وزراة التعليم العالي قامت باتلافها كلها. التبرير كان هو تصفية آثار تلك المرحلة واعادة الرصانة الى الجامعات برغم ان أصحاب العديد منها أصبحوا «دكاترة» في هذه الجامعات. كان واضحا ان السبب هو محو أي دليل يمكن ان يستعمل ضدهم في حال تمت إعادة النظر بالمؤهلات. إتلاف تلك الرسائل والاطاريح كان جريمة بحق العلم والتاريخ. ليس لانها ذات قيمة علمية أبدا، فهي تفتقد أبجديات العلم، إنما لكونها شاهداً ودليلا، لمن يدرس تلك الحقيبة، على تفاهة ما كان يجري، ومستوى التسييس الذي وصل اليه التعليم العالي أنذاك.
لفت نظري صاحب إحدى تلك الرسائل بمقال نشره في صحيفة محلية مؤخرا، عندما حاول إثبات ان الضحايا الذين سقطوا في العراق منذ التغيير وحتى اليوم هم أكثر بكثير مما سقط على يد النظام السابق طوال عقود من حكمه. واللافت انه يطالب بمحاكمة رجال المرحلة الجديدة كما حوكم صدام حسين. هذا الامر هو جزء من حملة يمارسها معارضو العملية السياسية منذ سنوات عبر إشاعة مقولات مثل «أيام صدام كان الوضع أفضل» و»السياسيون الجدد أسوأ من نظام صدام». اللافت ان كثيرا من السذج يردد هذه العبارات حتى من الاوساط التي كانت مضطهدة، وبات لها اليوم صوت عالٍ ومقاعد حكومية رفيعة، وحرية كلام وحتى»شتم» لأعلى المسؤولين مرتبةً من دون ان يتلفتوا وراءهم كما كانوا من قبل . يحاول مروجو هذه الاقاويل إغفال حقيقة ان من قتل في السنوات الاخيرة هم – في الغالب- من فئة ضحايا الامس، وان القاتل هو ذاته ولو بلباس جديد واحيانا بلحية وشعر أشعت, وأن كل الذي تغيّر هو مكان القتل ووسائله.
أن لا تتم ملاحقة أصحاب رسائل وأطاريح «فكر القائد»، أمر حضاري تقتضيه ضرورات طي صفحة الماضي وإيجاد التبريرات لهؤلاء ، لكن عودة بعضهم الى تمجيد ذلك القائد فأمر يحتاج الى وقفة. أين سنصل لاحقاً؟
سالم مشكور

مقالات ذات صلة

التعليقات مغلقة