استعادة الحسين الثقافي

الموقف الحسيني له أكثر من معنى، وأكثر من دلالة، إذ تتعالق فيه قيم الثورة مع وعي المسؤولية ازاء الرسالة التي يحملها، فضلاً عن رؤيته الواضحة لمشروع الاستبداد الذي كان يلوح في الأفق، والذي كرسه فيما بعد (الحكم العضوض) والمركزة المرعبة التي تحولت الى مصدر تاريخي لصناعة طغيان الدولة وعنف الدولة..
إصرار الإمام الحسين على رفض الاندماج في المؤسسة الأموية يمثل جوهر ذلك الموقف، وحتى وإن كان في النظر الثوري لاستعادة الحكم الى سياقه الشرعي، والى منظومته الحاكمة على وفق المبدأ المحمدي والراشدي، كما ان رفضه المسؤول يعكس وعيه الثقافي والإيماني لما يمكن أن يمثله الخضوع من تعويم لقيم الرسالة، ولما تربى عليه من يقين بقيم الحق والعدل ومجانبة الشر والاثرة بأموال وحقوق ودماء الآخرين..
واذا ارتبط الحديث عن سيرة الإمام الحسين بـ(كربلاء) بوصفها الحادثة الفاصلة في التاريخ الاسلامي، فان سيرته طوال حياته داخل فضاء الرسالة، وفي اتون الصراع السياسي تضعه أيضاً حاملاً استثنائياً لخطاب التنوير والتثوير في مشروع الدولة الاسلامية، وهو ماتجسد فعلاً، اذ نجد الكثير من الثورات السياسية والاجتماعية، والعديد من حركات الاحتجاج والتجديد والاصلاح قد استلهمت الشفرة الحسينية، وأدركت أسبابها وحمولاتها الثورية والإنسانية، وبما جعل الخطاب الحسيني واحداً من أهم مصادر صناعة (الوعي الشقي) واغترابه الثوري في تاريخ حركات الاحتجاج الاسلامي..
سيرة المواجهة التي أطلقها الإمام الحسين لم تكن عنواناً لتجسيد فكرة المقدس، بقدر ما كانت تعزيزاً لأنسنة هذه المواجهة من جانب، وابراز ما هو ضروري في التصدي لقوى الاستبداد السياسي والعصابي من جانب آخر، إذ فرضت مقدماته السياسية الجماعة الأموية من منطلقات طبقية وقومية وتجارية، ومن منطلقات تعويم قيم التحوّل الكبرى التي بشرت بها وثيقة المدنية بشأن التعايش والعدل والحقوق، وهذا مايعطي لفعل المواجهة عمقه الثوري، ولاستراتيجياته الفاعلة من أن يكون أكثر تعبيراً عن سيرورة قوى الثورة، وعن خطاب الاحتجاج والرفض، والتي اتسعت طوال قرون لتجسد رمزية المواجهة الحسينية، ورمزية الانتماء الى تاريخية هذا الخطاب الثوري الرافض للطغيان والاستبداد…
استعادة السيرة الحسينية اليوم تعني استعادة لما تمثله من قيم أكثر تجدداً لمواجهة استبداد آخر، وطغيان آخر، والذي يمثل في جوهره امتداداً للعوامل ذاتها التي أنتجت استبداد السلطة ورعبها المركزي، فرعب العنف والتكفير والتهميش والكراهية والفرقة هي صناعات موروثة للاستبداد التاريخي، واذ نجد ماتصنعه اليوم جماعات الارهاب من داعش وغيرها، فإن إعادة فحص خطاب الارهاب والتكفير يضعنا في سياق اقامة التلازم والحجة مابين الخطابين، وما يمكن أن يمثله خطاب الارهاب الداعشي من خطورة كبيرة على قيام التعايش بين الجماعات والمكونات، وما يسببه أيضاً من عوامل إضرار وتشويه لصورة الدولة المدنية العادلة، فضلاً عن وظيفته في تكريس ثقافة الخوف والخضوع، وبالتالي وضع الانسان خارج منظومة حقوقه المدنية والشرعية.
استعادة الامام الحسين الثوري والاحتجاجي هي استعادة عميقة للحسين المثقف المسؤول، الحسين الذي أدرك خطورة أن يتحول الاستبداد إلى سلطة والى مؤسسة، لأنه سيكون عندئذ قوة مولدة للرعب والتغييب، وهو ما استدعاه لأن يواجهه بما يحمله من قوة أخلاقية وشرعية، وما يؤكد وجود ثقافة الرفض التي ظلت قرينة بسيرته الكبيرة التي نستعيدها منذ ألف وأربعمائة سنة.
علي حسن الفواز

مقالات ذات صلة

التعليقات مغلقة