عتونجليسي

هي نتاج لسلسلة تجارب الدمار الشامل التي نفذت على تضاريس هذا الوطن المنكوب، ضد ما يعرف بالنخب المثقفة (الانتلجينسيا) حيث محقت فيها هوية ووظائف وملامح تلك الشريحة ومكانتها المرموقة على سنام الهرم الاجتماعي، لتتحول الى ذيول غليظة تتقافز خلف المؤخرات الحاكمة. وكل من يتابع المشهد الثقافي الراهن، بعد لحظة الفتح الديمقراطي المبين، يكتشف محنة هذه المخلوقات المتحولة (عتونجليسيا)، ودورها في زيادة اللبس والغموض والتشتت والضياع الذي أحكم قبضته على الضمائر والعقول في هذه المستوطنة القديمة. حتى طيب الذكر انطونيو غرامشي سيقف مندهشاً أمام هذا الزخم الجماهيري من (المثقف العتوي) والذي يهرول لاهثاً رهن رنين السدنة الجدد لبيت المال الريعي.
المثقف العضوي، ذلك المصطلح الذي توقف عنده كثيراً المفكر الايطالي الكبير غرامشي، يشغل موقعاً استثنائياً في حياة المجتمعات الحديثة، لذلك تنعكس التصدعات والتشوهات في بنيته وتوجهاته على شتى مستويات الحياة المادية والمعنوية فيها. وهذا ما نشاهده بوضوح في الحالة التي انحدر اليها العراق وغير القليل من بلدان المنطقة في العقود الاخيرة، عندما تلقفت زمام الامور فيها قوى ومؤسسات لا تطيق التعاطي مع كل ما له صلة بالثقافة والابداع والجمال والابتكار، لأن من كان يفترض بهم النهوض بمهمة اقلاق راحة سدنة الركود والعتمة واشغالهم بحزمة الاسئلة والحفريات المشاكسة، أدمنوا الاستلقاء عند اطراف المطابخ الساخنة. ومع الانفجار الديموغرافي تضخم عدد المنتسبين لنادي هذه الشريحة المتحولة (عتونجليسيا) لتضم لصفوفها غير القليل من العاطلين عن الموهبة والعمل. ومع مثل هذا الانتشار الواسع لهذه الحالة المشوهة، لأفراد ومجموعات اضاعت بوصلتها، وبقيت مصرة على استيطان المفاصل الحيوية وتسريب سمومها الى مشهد يزداد هلوسة وضياعاً، يعني اننا بمواجهة نهايات فنطازية لا يدرك قعرها أكثر الاركيولوجيين جرأة وعدة في سبر غور الخلطات الاستثنائية وما يطفح عنها من سلالات هجينة.
ان هذا الحطام الهائل من الفضلات التي خلفتها عقود من الهيمنة المطلقة (لحثالة المجتمعات) لا يمكن معالجته بالتعاويذ والتمنيات البطرانة، كما جرى خلال اكثر من عقد على «التغيير»، ولا من خلال عملية تدوير هذه الفضلات الضارة، والتي برهنت على خوائها واصرارها على مواصلة الادوار نفسها التي برمجت عليها زمن النظام المباد، حيث لم تشهد الساحة الثقافية أية حالة ندم أو اعتذار حول سيرتهم السابقة وحسب بل صلافة لا مثيل لها، من الاعتزاز والاعتداد بمحطاتهم المخزية تلك. ان الحل يبدأ عندما ننجح بتحييد دور (عتاوي الثقافة) والحجر عليهم بعيداً عن كل ما يمت بصلة لعقول وضمائر أجيال يمكن ان تنتشل هذه المستوطنة القديمة من مثل هذه المصائر التي انحدرت اليها.
جمال جصاني

مقالات ذات صلة

التعليقات مغلقة