الأخبار العاجلة

كيف يمكن هزيمة ماكنة «الدولة الإسلامية» الحربية؟

ميتين تورسان *

برغم الكثير الذي كتب عن النجاحات العسكرية التكتيكية التي حققتها الدولة الاسلامية, الا ان القليل بالمقابل تطرق لتقديم تفسير شامل لكيفية حصول ذلك منذ حزيران الماضي, و كيف تمكن هذا التنظيم من اكتساح مساحات اكبر من دولة بحجم لبنان مع التحكم بمصائر كتلة بشرية تقدر بأكثر من 8 ملايين انسان ما بين عراقيين و سوريين.
فكيف امكن لذلك التنظيم ان يسيطر على محافظة بحجم الموصل محمية بـ30000 من الجنود العراقيين عبر 3000 من مقاتليه, ليتطور الموقف الى اشتباك و معارك مع قوات في بلدات الى الشمال من بغداد بعد يومين فقط, رغم ان المسافة بين بغداد و الموصل تقدر بـ400 كيلو متر؟
بالرغم من ان المرء قد يركن الى وهم التفسيرات الخيالية مثل ما يقال عن بطئ رد فعل المجتمع الدولي, الى الافتقار للمقاومة العسكرية القوية ضد داعش, او الدعم الدولي و العشائري السني و حتى السياسي الذي تحصل عليه تنظيم داعش في المناطق التي سيطر عليها, الا ان كل ذلك لا يستطيع دحض حقيقة –على السمتوى التكتيكي-تتمثل في ان تنظيم داعش يمثل ماكنة حرب عسكرية فتاكة.
وبغية فهم العوامل الحاسمة في تحقيق داعش لمكاسبه, لابد للمرء من فهم تلك الحقيقة كما هي.
ان العوامل التي اسهمت بتحقيق فعالية التنظيم المتطرف التكيتيكية تتوزع ما بين المرونة و القيادة اللامركزية مع الاساليب و التكتيكات العسكرية الهجينة و الغريبة الممتزجة بتكتيكات الارهاب الى جانب الحرب التقليدية, مع فعالية استخدام المنصات المدرعة في العمليات الهجومية و التشتت و ادامة الزخم مهما كان الثمن, و الاستغلال الفعال للتضاريس الطبوغرافية و التوزيعات البشرية, مع بساطة و مرونة التخطيط, و تنفيذ عمليات على مستوى عال من المبادرة و المعنويات.
ان من اللافت ان تنظيم داعش ليس بحاجة الى قيادة و هيكيلية مركزية دائمة بالمفهوم التقليدي للحروب. و على النقيض من الحروب التقليدية في العالم, فأن تنظيم داعش لا يضع فروقات حادة على المستويات التكتيكية و الاستراتيجية و العملياتية. ضمن انماط الحروب التقليدية, تمثل المنجزات التكتيكية وسيلة للوصول الى تحقيق الاهداف الاستراتيجية. و فيما يخص تنظيم داعش, فأن الهدف الاساس يتمثل في تحقيق و ضمان النجاحات التكتيكية و التوسع بها خطوة بعد خطوة. كما ان الحيود عن المنهج التقليدي يتمثل في تركيز داعش على بنية القيادة من الاسفل عند الحركة السريعة بغية تحقيق المنجزات العسكرية. و لغاية اللحظة الحالية, تركزت ضربات الولايات المتحدة و حلفائها على عقد اتصالات و مراكز تدريب و مواقع نفطية و اكداس عتاد محتملة لتنظيم داعش. و من الغريب بمكان انه ليس هنالك من منشأة للسيطرة تابعة للتنظيم لم تتعرض الى الاستهداف لغاية الان بالضربات الجوية الحليفة.
من جانب آخر, يمزج تنظيم داعش تكتكيات ارهابية هجينة مع انماط حرب العصابات الحديثة و التكتيكات الحربية التقليدية.
كما ان تنظيم داعش يعد خبيرا بما يكفي لتنفيذ هجمات مدرعة فضلا عن مهارته بتصويب النيران الدقيقة من مدافع دباباته باستخدام الكاميرات الحرارية, عدا عن قدرته على زرع العبوات الناسفة في المناطق الحرجة و الحساسة و الطرق الاستراتيجية و غيرها. ان هذا التنظيم يشن حرب عصابات و حربا مدرعة تقليدية عبر نشر فرق من 8-10 رجال ينفذون عمليات من مبنى الى مبنى باسلوب التطهير و الامساك في المناطق الحضرية.
وبعد سلسلة الضربات الجوية التي تعرض لها التنظيم خلال الاشهر الماضية, عمد هذه المرة الى تشتيت قواته الى اقصى الحدود. و في هذا السياق, فقد تقلص حجم الفريق الداعشي الواحد الى 2 او 3 سيارات بعدد لا يتجاوز الثماني رجال. و لا شك ان اسلوب التخفي الذي اعتمده التنظيم كان محترفا الى حد بعيد. و من المثير ان تعليمات و توجيهات و اوامر التنظيم التنفيذية تتسم بالبساطة الكبيرة حيث يبلّغ المقاتلون بمضمون المهمة او الهدف و يترك امر التنفيذ و التطبيق لهم و لظروف العملية نفسها مع الوحدة التي تقاتل في الميدان.
ان من المؤكد ان العقلية الجهادية التي يحملها المقاتل مركبة بطريقة الانتصار من الجانبين, اما الجانب المادي في الحياة او الجانب المعنوي في الحياة الاخرى, الامر الذي يفسره ارتفاع مستويات هرمون الادرينالين لدى المقاتلين الذين يقاتلون فيقتلون او يموتون من دون اي تردد.
اما العمليات النموذجية لتنظيم داعش, فأنها تتحرك على هذا النحو: يتم تجميع وحدة مدرعة من تنظيم داعش سواء بالدبابات او وحدة متحركة مكونة من 10-12 من المقاتلين في اثنتين او ثلاث من العجلات, حيث يصل امر التبليغ عبر برنامج Whatsapp او رسالة عبر موقع فيسبوك او تويتر او رسالة هاتفية نصية قصيرة اذا ما كانت شبكة الاتصالات اللاسلكية غير مواتية او غير متوفرة. بعد ذلك, تتجمع المجموعة في مكان و زمان محددين حسب مضمون الرسالة. و لنا ان نقول ان هذه تمثل المرة الاولى التي تعمد فيها قوات مقاتلة الى استخدام وسائل التواصل الاجتماعي بغية تحريك و تنفيذ عمليات قتالية. و قبل الشروع بالعمليات, يعمد تنظيم داعش الى بث رسائل دعائية مغرضة عبر وسائل التواصل الاجتماعي بين صفوف مقاتلي العدو و المدنيين الذين يسكنون في المناطق المستهدفة بغية كسر المعنويات و اضعاف النفوس قبل المواجهة. لذلك, و تبعا لهذه المعطيات, فأن وحدات العمليات و الوحدات اللوجستية تتلقى تعليماتها و تتجمع في الزمان و المكان المحددين في بحر ساعتين الى ثلاث كحد اقصى, و بعد ما لا يزيد عن ساعة و نصف من المناقشات و التنسيق و الاعداد اللوجستي, تنطلق العملية نحو هدفها.
لكن يبقى الموقف الذي شهدته مدينة كوباني بعد الضربات الجوية المكثفة و القتال الشرس الذي ابداه المدافعون المستميتون عن مدينتهم, يبقى دليلا على ان افضل و اقوى المؤهلات التي يتمتع بها التنظيم المتطرف قد تنهار و تصبح بلا قيمة في حال بروز مقاومة ذكية يمكن ان تهز كيان المهاجمين و تشتت جمعهم و جهدهم و ماكنتهم العسكرية, الامر الذي يعني ان حسابات التنظيم التي صحّت معه لغاية «كوباني» قد تثبت خطأها لتنقلب الموجة ضده من جديد, و هو ما يجب ان تقتنصه الولايات المتحدة و معها العراقيون في المرحلة الراهنة لاستعادة زمام المبادرة و كسر شوكة الانتصارات الباهرة و السريعة التي حققها الغزاة القادمون من خارج الحدود.

* عن «جريدة المونيتور»
ترجمة الهادر المعموري

مقالات ذات صلة

التعليقات مغلقة