علي عبد العال يحاضر في جامعة UT بتكساس

عن «إشكاليات الكتابة الأدبية بالمنفى»

تكساس ـ الصباح الجديد:

بدعوة من القسم العربي في جامعة يو تي الأميركية بتكساس، قدم الروائي والصحافي العراقي علي عبد العال محاضرة لطلبة وأساتذة القسم العربي في جامعة تكساس بعنوان “إشكاليات الكتابة الأدبية بالنفى”.
وكان جمهور المحاضرة من الطلبة الأميركيين الدارسين للغة العربية من المراحل الأولية والمتقدمة بمن فيهم طلبة الدكتوراه مع الأساتذة المشرفين عليهم. تناولت المحاضرة، بعد تقديم د. طارق العريس للروائي علي عبدالعال، نبذة عن منجز الكاتب المحاضر الابداعي, وحضوره في الساحة الثقافية في بلده الأم العراق أو في منفاه الاختياري بالسويد, وهو عضو فاعل في اتحاد الكتاب السويديين وتلقى كتبه اقبالاً من القراء هناك عبر تداولها في المكتبات العامة في شتى المدن السويدية.

اشكاليات الكتابة الأدبية
هنا جوانب من المحاضرة التي ألقاها عبدالعال هناك، ويخص بها “الصباح الجديد”…
أزمة القارئ
الكتاب أو النص الأدبي في المنفى أياً كان نوعه وجنسه هو كائن عضوي غريب، هو بذرة جديدة. كائن عضوي يولد في مكان غريب “المنفى”، وهو بذرة تصل عبر المصادفات والأقدار إلى تربة ٍ غريبة.
أول ما يبحث عنه النص الأدبي، شعراً كان أم نثراً، هو القارئ؛ القارئ يمثل البيئة الطبيعية والحاضنة الأساسية لنمو هذا الكائن العضوي الوليد. النص، أي نص أدبي يبحث عن قارئ جيد، كما يبحث القارئ عن نصٍ جيد.
قلة القراء بالنسبة للأدباء الذين يكتبون في المنافي هي إحدى العقبات والمشاكل التي يواجهها الأديب بالمنفى، فما بالك بالنقاد والتغطيات الإعلامية والنشاطات الثقافية في البلد المضيّف التي ليس من اهتماماتها الأساسية متابعة الكتاب المنفيين الذين يكتبون بلغاتهم الأصلية وليس بلغة البلد الذي يقيمون فيه؟

الطباعة والنشر والترجمة
يعيش الأديب المنفي أو المغترب أو المهاجر في أميركا أو السويد أو بريطانيا أو فرنسا وهو يكتب بلغته الأم، العربية على سبيل المثال، يواجه صعوبة كبيرة عندما يريد اصدار نصه بكتاب، وبالتالي صعوبات كثيرة ترافق نشر الكتاب وتوزيعه عبر دور النشر الغربية. فيبدأ بالبحث عن بلدان أخرى بعيدة تنطق بلغته لطباعة الكتاب، وهنا يدخل الكتاب في رحلة التغريب والنفي والتشرد كما هو حال الكاتب ذاته. وغالباً ما تكون كتب الأدباء المنفيين ممنوعة من النشر في تلك البلدان. في النهاية لا يأخذ الكتاب طريقه الصحيح لا في المنفى ولا في الوطن الأم إلا عبر رحلة شاقة وتهريب بعض النسخ وهو أمر لا يخلو من المخاطرة.
كذلك تشكل الترجمة مشكلة كبيرة هي الأخرى، إذ ليس بمقدور الأديب المنفي العثور على مترجم جيد بسبب التكاليف المالية الضخمة، وهذه المهمة تقوم بها وتتبناها عادة دور نشر كبرى أو مؤسسات ثقافية تتمتع بالدعم الحكومي المالي. وبالطبع هناك بعض الإستثناءات لهذه القاعدة، كأن يتبرع أحدهم بترجمة الكتاب على نفقته الخاصة، أو عندما يتمكن الأديب من تغطية النفقات المالية من جيبه الخاص وهذا أمر نادر الحدوث بشكل عام.

أزمة تسويق وتوزيع الكتاب
مهما بلغت جهود الأديب المنفي بتسويق وتوزيع كتابه بعد النشر، تبقى هذه الجهود دون المستوى الذي تقوم به المؤسسات الثقافية ودور النشر التجارية وتلك الحالة تنتج نوعاً من المعاناة والأعباء الثقيلة على كاهل الأديب المنفي مادياً ومعنوياً. الأدباء الذي يكتبون في أوطانهم وبلغاتهم لا يواجهون مثل هذه المعاناة التي يواجهها أدباء المنافي والمغتربون والمهاجرون.

أزمة مادة النص الأدبي
الأديب المبدع هو ابن زمانه ومكانه؛ وهو الراصد والناقل والمصور المتفاعل مع الأحداث الاجتماعية والسياسية والفكرية والثقافية التي تحيط به وتجري حوله يومياً.
لا يجد الأديب المنفي مثل هذا الواقع الطبيعي في منفاه، بل هو يواجه أحداثاً اجتماعية وسياسية وفكرية وثقافية من نوع آخر بعيداً عن مجاله العام وعالمه الخاص، فيكتب وعينه على الأحداث الجارية في زمان ومكان غير زمانه ومكانه. لذلك يلجأ الكتاب والأدباء المنفيون إلى مخزون الذاكرة أو التاريخ ليعثروا على مادة نصوصهم، والتجارب الأدبية زاخرة بمثل هؤلاء الأدباء ومنهم الروائي الكولومبي الكبير غابريل غاريسيا ماركيز والروسيان باساترناك وسولجستين والكثير من الكتاب الآخرين.

النقد والتقييم الإعلامي
الكتاب الصادر في المنفى هو كتاب ضائع ومجهول في الكثير من الأحيان؛ لا يعود السبب لجودة ونوعية هذا الكتاب أو ذاك وإنما يعود السبب لعدة وقائع أخرى ذكرنا منها النشر والتوزيع والتسويق والترجمة، ونضيف لها في هذه النقطة عدم حصول الكتاب أو النص الأدبي على التقييم الجاد لإنعدام التواصل بين الكاتب وكتبه وبين النقاد وتقييمات القراء ووسائل الإعلام بشكل عام. بعض الأحيان، وهي قليلة، يحدث مثل هذا التواصل بسبب تطور عالم الإنترنيت وسهولة نشر الأعمال الأدبية، الأمر الذي أدى حالياً إلى زوال الكثير من هذه المعاناة، وأعتقد أن هذا الوضع سيتطور لصالح الأدب والأديب في المنافي بشكل كبير في المستقبل المنظور.

مشكلات اللغة
الأفكار الآيديولوجية والرؤى الإبداعية والمشاعر الإنسانية المتنوعة والمختلفة تبقى مجرد أفكار ورؤى ومشاعر هائمة وضائعة إذا لم توضع في إطار لغوي معيّن.
اللغة في النهاية هي التجسيد الواقعي والتشكيل المادي النهائي للنص الأدبي التي تنقل المحتوى الفكري والمشاعر المتنافرة والأحاسيس المتنوعة والرؤى الإبداعية للأديب في إطار من الأطر، بالأحرى جنسٍ من الأجناس الأدبية من شعر وقصة ورواية.
في المنفى يواجه الأديب الكثير من المشاكل والمعاناة في هذه الخصوص على الصعيد اليومي المباشر وغير المباشر. الأديب الذي يعيش ويكتب في وطنه يتحدث بلغته يومياً منذ لحظة إستيقاظه حتى وقت النوم. يسمع ويقرأ بلغته، بهذا الشكل ينمو قاموسه اللغوي كماً ونوعاً، ويتطور ويكبر مخزونه اللغوي بشكل طبيعي. هذا الأمر لا يحدث للأديب المنفي عن لغته ووطنه جملة وتفصيلا، فيسعى إلى بذل الجهود الإضافية لكي يعّوض هذا النقص والفراغ اللغوي وإلا يتعرض قاموسه اللغوي إلى الإضمحلال أو الجمود.

مقالات ذات صلة

التعليقات مغلقة