طيحان حظ

من الصعب العثور على مثل هذا الحظ العاثر الذي يعيشه سكان هذه المستوطنة القديمة، عند كل البلدان الذين رمتهم الاقدار السيئة بحمم مصائبها. وكان من الممكن هضم مثل هذه التطورات التراجيدية، لو كان العراق بلداً فقيراً بامكاناته الطبيعية والبشرية، لا هذا البلد المدجج بكم هائل من الثروات الطبيعية، واحتياطات لم تكتشف من الرأسمال الرمزي والحيوية العقلية. ان المأساة العراقية تحتاج الى مواقف شجاعة ومسؤولة، والى الاستعانة بخبرات وتقنيات الامم التي وصلت الى سن التكليف العقلي والقيمي، كي تسبر غور طلاسم هذا النحس العضال أو ما تختصره العبارة المعروفة (طيحان حظ).
قبل ان تقرر الاجهزة السرية لدول الجوار والمحاور الدولية التي يتبعونها، في أمر نقل الصراع المحلي بين حيتان المشهد الراهن الى طور أشد فتكاً وهمجية وضياعاً، كان العراق يحرز تقدماً في استكشاف واستخراج موارده الطبيعية، الى الحد الذي جعل احدى الصحف العالمية المعروفة تختار هذا العنوان لاحدى افتتاحياتها: (العراق سيقود العالم العربي). لكن هل بمقدور الرزق الريعي وحده تحقيق مثل هذه التوقعات؟
ان الثراء المادي من دون الثراء الروحي والقيمي، ليس عاجزاً عن تحقيق مثل تلك الامنيات وحسب، بل يتحول الى الضد من ذلك، ان ارتبط بمنظومة قيمية متخلفة، كما حصل مع غير القليل من امارات وممالك النفط والغاز. هذا الدرس الذي لا يطيق مواجهته فرسان حقبة الفتح الديمقراطي المبين من شتى الرطانات والازياء، وهم بالرغم من كل ترسانة الغطرسة والغرور التي يتمتعون بها حالياً، سيقفون ذات منعطف أمام حكم التاريخ بوصفهم أحد المكونات الاساس لـ (طيحان الحظ) هذا. ان بلداً مثل العراق بكل هذه الثروات والامكانات كان بمقدوره توفير افضل شروط العيش الكريم لسكانه من دون تمييز، لا مواجهة مثل هذه المصائر المذلة والمخزية على يد داعش والسلالات المتعاقبة من عصابات البلطجة والاجرام المنظم.
ومع هذا النوع من قوارض المنعطفات التاريخية، وهذه المناخات من الغيبوبة وبيارغها، لا يمكن توقع نهاية قريبة لحقبة (طيحان الحظ) هذه، والتي تحتاج الى ما يشبه المعجزة كي نتحرر منها ومن فواتيرها الظالمة. خاصة مع هذا الحطام من البشر والعقائد والحجر الذي خلفته التجارب الخائبة للنظام المباد وتداعيات ما جاءت به الفوضى الخلاقة من عجاج وسكراب وتعاويذ انتهت صلاحيتها منذ أمد بعيد. ان زوال النحس التاريخي يعتمد على همة وجرأة وقرارات لم تنضج بعد، وعلى أجيال اخرى لم تتعرض لكل هذا العصف من الذل والهوان.
جمال جصاني

مقالات ذات صلة

التعليقات مغلقة