شكرا تونس ..عندما يحتفل المهزومون !!

عام 2005 كتبت مقالا بعنوان «شكرا سيادة العقيد» موجها الى الرئيس الليبي السابق معمر القذافي ، ردا على خطاب له اراد فيه ان يعلمنا الطريق الى الديمقراطية ، في وقت كانت فيه بلاده غارقة في ظلام دكتاتوريته العجيبة ، التي ادت به الى ان يخرجه الشعب من «مجارير» الفئران كما أخرج صدام حسين من جحر الفئران العراقي ..
اليوم علينا ان نوجه الشكر لتونس وشعبها، الذي اشعل فقيره «البو عزيزي» شرارة الربيع العربي الذي اختطفته من بين ايدينا قوى الظلام والتخلف والعنف والارهاب، الشكر والعرفان لانها تعيد الينا بصيصا من الامل من اننا شعوب بامكانها ان تكون حرّة وتستحق الحرية، بدلا من ان نكون «امة ضحكت من جهلها الامم»..
اعطتنا تونس مثالا للروح الديمقراطية الحقيقية في تقبل القوى المتصارعة لنتائج انتخابات هزمت فيه القوى العلمانية المدنية (حزب نداء تونس وحلفاؤه) قوى الاسلام السياسي (حركة النهضة وحلفاءها) ، من دون استعراضات قوى وجيوش وتهديدات بالعودة الى المربع الاول ولا باستعمال العنف ولا التلويح بحروب اهلية من كل الانواع ، كما يحصل لدينا عادة بعد كل اقتراع !!
احتفلت حركة النهضة الاسلامية التي خسرت في الانتخابات ،وأقرت بهزيمتها في الانتخابات التشريعية التونسية ونظمت أمام مقرها الرئيس احتفالية شعبية، دعت سائر التونسيين، للاحتفال بـ»العرس الانتخابي». أكد فيها عدد من قيادييها أنّ الحركة «انتصرت هذه المرة أيضا» لأنها ضربت مثلا جديدا في كيفية تسليم السلطة والاعتراف بنتائج الصناديق. وقال عضو مكتبها التنفيذي، سمير ديلو إنّ «الحرية في تونس باقية».. وزيادة على ذلك فان الغنوشي ( زعيم حركة النهضة الاسلامية الخاسرة) هنّا باجي قائد السبسي (زعيم حركة نداء تونس العلمانية الفائزة) بتقدم لوائحه في الانتخابات، فيما هنأ المتحدث باسم حركة النهضة زياد العذاري حركة «نداء تونس» قائلا إنّ تونس هي التي فازت في النهاية بغض الطرف عن الحزب الذي حصل النصيب الأكبر من اللعبة الانتخابية.
والتغيير الحقيقي هو ان نسبة التجديد في البرلمان الجديد لم تقل عن 75 بالمائة، كما سيشهد غياب الكثر من الشخصيات السياسية التي عرفت خلال الفترة الانتقالية وأبرزها من الشريكين في الائتلاف الحاكم حزبي المؤتمر والتكتل. ما يعني ان التغيير كان جذريا ، لان الاحزاب الكبيرة مثل حزبي التكتل والمؤتمر، التي كانت مسيطرة في التحالف القائد للسلطة، قد هزمتها اصوات الناخبين ، اذ حصل الاول على مقعد واحد فيما حصل الثاني على خمسة مقاعد فقط !! مقابل صعود أحزاب أخرى قد تشارك في الائتلاف الحاكم المقبل ومن ضمنها الجبهة الشعبية اليسارية والاتحاد الوطني الحر و»آفاق» الليبيراليين.
يمكن القول إنّ تلك الانتخابات لا تتعلق بتونس قدرما تتعلق بغالبية دول المنطقة. فالتونسيون على وشك قطع خطوة عملاقة صوب الديمقراطية.
تونس تعطينا درسا أنموذجاً قي كيفية الانتقال السلمي للسلطة ، ودرسا في كيفية امكان نهوض شعوبنا من انتكاساتها ، ودرسا في اخلاقية المهزوم عندما يتقبل قواعد اللعبة الديمقراطية ، ودرسا في كيفية عد الجميع، ان انتصار الديمقراطية هو انتصار للبلاد ومستقبلها بغض النظر عن الفائز وعدد الكراسي ..
وتونس لم تمنح درسا لشعوب المنطقة واحزابها بل انها بثت روح الأمل حتى عند الاوروبيين من ان شعوبنا ليست ميتة وخائبة.
فقد صرح أنطوني دووركين، من مجلس العلاقات الخارجية الأوروبي بعد اعلان النتائج الاولية للانتخابات «إذا استمر انتقال البلاد نحو الديمقراطية قدما فسيكون هناك علامة قوية على أن الديمقراطية يمكن أن تتجذّر في العالم العربي. وفي الوقت الذي يبدو فيه أي أمل للإصلاح السياسي قد تلقى انتكاسة في غيرها من دول المنطقة، تبدو تونس الدولة الوحيدة القادرة على تلبية الآمال في نهضة العرب في مستقبل قريب «.
وأضاف « إنّ تجذير ديمقراطية ناجحة في البلاد، سيكون دافعا قويا للبقية ودلالة واضحة وقوية على أنّ الإصلاح والتعددية السياسية ليس مقدرا لها الفشل في العالم العربي».
«رفعة راس»، تستحق ان نرفع لها القبعات ونتعلم منها أهم دروس الديمقراطية وهي « كيف تحتفل عندما تهزمك صناديق الاقتراع» !!
عامر القيسي

مقالات ذات صلة

التعليقات مغلقة