جرعة الإعلام

هناك تشابه كبير بين مفعول الاعلام واستعمالاته من جهة والسم واستعمالاته من جهة اخرى. فمن المعروف عن السم انه يكون قاتلاً استناداً الى جرعته، وقليل منه يستعمل للعلاج، ويدخل مع مواد اخرى لانتاج شتى العقاقير الناجعة في مكافحة الامراض والاوبئة. ومع التطور الهائل في مجال تقنيات الاتصال والتواصل بين البشر، ارتفعت قدرة هذا المجال الحيوي على لعب دور حاسم في حياة المجتمعات والامم. وفي الوقت الذي تحولت فيه وسائل الاعلام باشكالها المختلفة (المرئي والمطبوع والمسموع) الى رافعة اساسية في تقدم الامم الحرة، مارست في أماكن اخرى ادواراً متنافرة ووظيفتها الجوهرية؛ في ايصال المعلومة والمعرفة للجماعات والافراد كي يواجهوا بوضوح وثقة تحديات عصرهم ومتطلباته المتعاظمة. ومن سوء حظ سكان هذا الوطن القديم، انهم كانوا الفريسة المحببة لمثل هذا الاعلام المعطوب والممسوخ. وما نكبة الموصل الاخيرة وتداعياتها القاسية، الا دليل سافر على ذلك العجز والخوار في هذا الحقل الاشد فتكاً (الاعلام) حيث نجحت فلول الجماعات الارهابية والاجرامية والهمجية، في اكتساح الجبهات عبر نشاطها الاعلامي والنفسي المضاد، وهم بالرغم من استنادهم لاكثر المنظومات القيمية تخلفاً، الا انهم تمكنوا من تسخير تناقضات وهشاشة وركاكة الاعلام الرسمي والذي فقد مصداقيته، بوصفه معبراً عن مرحلة انتقالية صوب الديمقراطية والتعددية والحداثة، ليحولوا الصراع الى مسارب خطرة (حرب اهلية على اساس الهويات القاتلة)، حرب مهدوا لها منذ اللحظات الاولى لتصدع النظام المباد.
ان قوة الاعلام تستند بالاساس الى المصداقية في الطرح والخطاب، والشجاعة في الدفاع عن المواقف المناصرة لحريات الناس وحقوقهم، لا الخطاب الذي يدغدغ الغرائز المتدنية والعواطف غير المتوازنة والمتنافرة والعقل والذوق السليم، والوعي العميق بالمصالح العليا للوطن والناس. لقد كلفتنا مثل هذه السياسات والزعامات المولعة بالمخلوقات المدججة بتقنيات التزلف ونقل عدتها المهنية من كتف الى كتف، وفقاً لايقاعات التراتيل المدللة؛ الكثير من الفواتير الباهظة والقاسية. ومن يتابع حالة الغيبوبة الشاملة التي تلف عقول وضمائر السواد الاعظم من سكان هذا البلد المنكوب، يدرك نوع وحجم جرعة السموم الاعلامية القاتلة، والتي تسللت الى مفاصلهم التي تزداد تكلساً يوماً بعد يوم . ان الكوارث والمآسي التي حلت بنا، لا يمكن فصلها عن روح التهاون والاستسلام التي مررها ذلك القطيع من مرتزقة الاعلام من الذين يحرضون الحشود ويعبئونها في المعارك الخاسرة بوصفهم حطباً مستباحاً لمغامرات أسيادهم المحليين والاقليميين والدوليين. ومن العسير معالجة مثل هذه المعادلة الشاذة، من دون وجود اعلام حر ومستقل، لا ذيولاً غليظة تتقافز خلف المؤخرات المهيمنة على المشهد الراهن.
جمال جصاني

مقالات ذات صلة

التعليقات مغلقة