ما قاله السيسي وما قلته له!

حسن البطل *

كان ناصر يوزباشي في الجيش (رائد أو مقدم) أما السيسي فهو كان قائد الجيش (مشير) وهذا وذاك صارا الرئيس الأول لمصر الجمهورية، والرئيس الرابع لها.
عندما كان ناصر رئيساً هناك من رأى فيه «صلاح الدين الثاني»، وعندما صار السيسي رئيساً هناك من توسّم فيه «عبد الناصر الثاني» .. ولكل زمن دولة ورجال.
لكن، بعد ثورة التصحيح التي قادها المشير السيسي، كتبت في هذا المكان: عليه أن يكون، أولاً، بانياً آخر للنهضة المصرية، أي مثل محمد علي باشا، قبل أن يصير ناصراً آخر، أو صلاح الدين الثاني؟!
تعرفون ما قاله الرسول العربي: «في مصر خير أجناد الأرض» والجيش المصري، في صخب هذا «الربيع العربي» هو عماد مصر الذي لم ينشق، خلاف معظم وباقي الجيوش العربية في العراق وسورية واليمن وليبيا .. وحتى لبنان!
لماذا اصطدم الرئيس الأول والرئيس الرابع مع «الاخوان»؟ ربما لأن الاخوان اصطدموا مع الروح المصرية، بمعنى من هو اولاً: مصر المصرية أم مصر الاسلامية، علماً أن شعب مصر أكثر شعوب الأرض تديناً (يليه الإيرانيون ثم الأميركيون).
قائد جيش مصر، ثم رئيسها الجمهوري الرابع، أو رئيس «الجمهورية المصرية الثانية» اصغر مني عمراً، وبالتأكيد أعلى مني بكثير جداً مسؤولية وشأناً ودوراً.
باللهجة المصرية الدارجة، ركز الرئيس على شجب «الإسلام السياسي» .. وشدّد على تصويب الخطاب الديني .. فتذكرت مطالبات مفكرين مصريين وعرب للرئيس ناصر، في ذروة سطوته ومجده، بقيادة «ثورة كمالية» في إصلاح اللغة العربية؛ وكذلك، وبالذات بإعادة «كتابة التاريخ العربي». ناصر لم يفعل لا هذا ولا ذاك.
السؤال الذي رفعت يدي لمحاولة مقاربته، بعد كلمة الرئيس هو دور مصر في رئاسة السيسي بإعادة كتابة التاريخ العربي. ساعة ودقائق امتلأت بمداخلات أخذت ثلثي الوقت.
«على الواقف» صافحت الرئيس السيسي (ولم أصافح سوى الرئيس عرفات والرئيس عباس)، كما غيري، وقلت له موجزاً من مفاصل التاريخ العربي، ودوره في إعادة كتابته:
١- كان التاريخ العربي، قبل الإسلام وبعده بقليل هو تاريخ القبائل والعشائر (والشعراء طبعاً في المعلقات) .. وقليلاً تاريخ الخلفاء الراشدين الأربعة.
٢ – كان التاريخ العربي، بُعيد الإسلام والامبراطورية الإسلامية – العربية هو تاريخ الخلفاء وصراعات المذاهب الإسلامية، والفرق الإسلامية الأصولية، والإصلاحية.
٣- صار التاريخ العربي، بعد النصف الأول من القرن ٢١ و»الربيع العربي» هو تاريخ الشعوب العربية، وانتفاضاتها من اجل الحرية والعدالة والديمقراطية .. ولو كانت فوضى انتفاضاتها انحرفت إلى صراع تناحري بين الأديان والمذاهب والفرق الإسلامية.
هذا هو ملخص ما قلته للرئيس السيسي على الواقف، بعد تعريف نفسي كفلسطيني، عايش فوز الإسلاميين في الانتخابات؛ وعاش تداعيات فوز الإسلاميين في انتخابات مصر.. مع الفارق بين فوزهم في فلسطين وفوزهم في مصر، ومكانة الوطنية الفلسطينية الناشئة من «الإسلام السياسي» ومكانتها العميقة من «روح مصر» ومحاولات التصويب في فلسطين بالحوار و»الصلحة» والتصويب في مصر بإخراجهم خارج القانون.
الفارق بين فوضى وتناحر مدمر في سورية والعراق، وفوضى خلاّقة في مصر، أن العروبة السياسية موطنها في سورية والعراق (أول الفتوحات الإسلامية، ومقر الخلافتين الإسلاميتين – العربيتين الزاهرتين)، لكن عروبة مصر هي ثقافية أولاً، وهي الدولة – الأمة العربية الوحيدة تقريباً، وفريدة دول العالم العربي .. والعالم، بل وعماد العروبة ايضاً. لو سقطت مصر تحت حكم أطول للإخوان لسقطت العروبة معها.
انتفاضة الجيش والشعب لتصحيح انتفاضة سابقة شعبية أيضاً، هي انتصار للروح المصرية الأصيلة، وكان حكم العام الواحد للإخوان نكسة خطيرة لهذه الروح المصرية.
في عرضي للنقاط الثلاث، باختصار شديد، توهمت ربما أن عيون الرئيس التمعت قليلاً في قولي له «هناك دور يبحث عن بطل» وتوهمت أن شفتي الرئيس افترتا عن ابتسامة عسكرية خفيفة، وانه شدّ على يدي قليلاً، عندما أنهيت: هذه أمانة يا سيدي الرئيس، وهي أمانة فلسطينية على كاهلك وكاهل مصر.
مفصل ثالث للتاريخ العربي يبدأ من «ربيع مصر»، وهو تاريخ الشعوب، لا القبائل ولا الخلفاء ولا المذاهب ولا التناحر .. قال الشعب في انتفاضته الثانية «مصر أولاً».

* ينشر بالاتفاق مع صحيفة الايام الفلسطينية

مقالات ذات صلة

التعليقات مغلقة