الشعراء وشعلة برومثيوس

أن يحمل الشعراء فؤوسهم الذهبية لمواجهة قرون الأشرار، فهذا يدل على إدراك أسرار الوظيفة العميقة لقوة الشعر.. وأن يعي الشعراء إن بيت اللغة لم يعد فردوساً آمناً، فهذا يعني إلباس اللغة الدرع لمواجهة رماح الآخرين الخارجين من أوهام التاريخ ومتاحف الأفكار البائدة.
(قافلة لا للعنف الشعرية) التي نظمها عدد من الشعراء العراقيين، تكشف عن جدّية هؤلاء في أن يكونوا طليعة عضوية للقوة الشعرية، ولوضع الشعر بوصفه شكلاً للوعي الاجتماعي في سياق نقدي وأخلاقي وثوري، وكذلك للإعلان عن رفضهم للعنف المسلح، والعنف الرمزي بأشكاله التصفوية والفكرية والمذهبية..
مناهضة العنف كما تقول لافتة هؤلاء الشعراء لم تعد وظيفة ديوانية، أو حتى طقساً نخبوياً، بل تحولت إلى خروج علني للحرب المضادة، حرب الجمال ضد القبح، حرب الحب ضد الكراهية، حرب السلام ضد القتل العشوائي، حرب التعايش الآمن ضد التشتت والعزل والتهميش.. هذه الحرب الأخلاقية والمعرفية ستمنح الشعراء مسؤوليات أخرى وحقوقاً أخرى، وربما ستسهم في إنهاء (عزلة الشعراء) في الأبراج العاجية وفي المقاهي وعلى الأرصفة، ليكونوا فاعلين حقيقيين في عملية التغيير الاجتماعي والثقافي، وفي صناعة رأي عام ثقافي له قوة الفعل والمواجهة، وله مجسّ الكشف عن رعب ما يؤسسه الارهابيون من ثقافات ملعونة، تلك التي تشرعن الكراهية والتكفير والعنف، والتي تعني تشويش صناعة التاريخ بنحو حقيقي، ومنع تأصيل ثقافات العمران الوطني والإنساني والثقافي والاجتماعي.
تواصل هذه القافلة ووصولها إلى أكثر من مدينة عراقية يمثل حلقة مهمة في صناعة الأسفار الثقافية، وكذلك اتساع فعل المشاركة فيها من قبل العديد من المثقفين العراقيين، لاسيما الشباب منهم، وبتنوع اتجاهاتهم، يكشف أيضاً عن متغيرات ثقافية مهمة في طبيعة وهوية المشهد الثقافي المقبل، إذ يجد المثقف نفسه- شاعراً كان أم قاصاً وروائياً ومسرحياً أم أكاديمياً- أمام مسؤوليات جديدة، لها مزاج الثورات والاحتجاجات، ولها وعي الأسئلة الجديدة، وهذا بطبيعة الحال سيكون عتبة لوعي التحديات والأخطار التي تواجه واقعنا وأحلامنا ومشاريعنا الثقافية، مثلما هو وعي بخطورة مايهدد أمننا الاجتماعي والوطني وفضاءات التعايش العراقي في مكوناته وهوياته المتعددة والمتنوعة.
ولعل الأكثر فعالية في مشروع هذه القافلة الشعرية، إنها بلا أغطية أو موجهات سياسية أو أيديولوجية أو دينية أو حزبية، فما يجمع الشعراء هو وعيهم (الشقي) بخطورة مايجري، وبخطورة ما يمكن أن يحدث جرّاء هذا الصعود الدامي في غلواء العنف والتكفير والكراهية، فضلا عن مايمكن أن يحدث بسبب تضخم عنف الفساد، وعنف المحاصصة، وعنف التجهيل وهشاشة بناء الدولة المؤسساتية وصيانة التعايش المجتمعي وضعف الخدمات وأبنية التعليم والمعرفة والبحث العلمي..
كل هذا (الحلم الوطني) بات عنواناً لقافلة الشعراء، والتي نأمل أن تتسع لتكون قوافل رفض واحتجاج تطوف المدن العراقية، وتعلن عن رفض هذا العنف المرعب الذي تصنعه قوى الارهاب والجريمة والثقافات الظلامية، وأن ترتقي القصيدة لتلبس ثياب الثوار وثياب العاشقين لتشعّ في الأرواح وهجاً وإضاءة، وأن تسيح معانيها في الوجدان، حاملة روح بروموثيوس الذي سرق نار الأشرار ليضيء بها ظلامات الناس ودياجيهم..
علي حسن الفواز

مقالات ذات صلة

التعليقات مغلقة