الأخبار العاجلة

كوميديا ساخرة عن رومانسية العصر

To Rome with Love

عبد السادة جبار

بالرغم من تعلق المخرج والممثل الأميركي “وودي ألن “بمدينة نيويورك، إذ يعبر عن ذلك بالقول أنه يشعر بالغربة حين يبتعد عنها، إلا انه مغرم بشكل كبير بتصوير أفلام مهمة عن المدن الأجنبية التاريخية الكبرى كما فعلها في القاهرة وبرشلونة وباريس ولندن، وقد صوّر فيلمه الأخير “إلى روما مع حبي” في روما، وقد كتبه بنفسه ومثل فيه أيضاً، ويصر هذا الفنان العجوز على أن يثبت وجوده عبر فلسفته مدركاً لتفاصيل المكان كسائح متجول مثل أي شاب مفعم بالحيوية، لكنه يشرك في سياحته جمهوره عبر السينما في أفلام يخرجها ويكتبها ويمثل فيها. فيلمه الأخير ” To Rome with Love ” هو الثاني والأربعون، وهو أول فيلم يقوم ببطولته منذ ست سنوات بعد غيابه عن التمثيل في أفلامه الخمسة السابقة. يتميز وودي ألن بمواهب متعددة: التمثيل والتأليف والإنتاج وتأليف الموسيقى وتقديم العروض الكوميدية الحية والكتابة للمسرح، وقد كتب 68عملاً للمسرح والتلفزيون والسينما، فيلمه الأخير ليس عن روما كقضية أو كموضوع إلا أنه قدم فيلماً تشكل فيه مدينة روما أرضاً وسكاناً مناخاً لنمو تلك القصص الأربع والتي تتوازى أحداثها في زمن ومكان واحد من دون أن تتقاطع أو تتشابه، وودي ألن ليس غريباً عن إيطاليا فهو قد حاكى أساليب السينما الايطالية الكلاسيكية في بعض أفلامه على غرار فيلم “العبها ثانية سام” 1972 أو فيلم ” لي كوبي” وفيلم “كل ما تعرفه عن الحب” (1972) وفيلم” ستاردست ممريز” 1980 والذي أهداه إلى المخرج الايطالي الشهير روبرتو فيليني. لكن فيلم “إلى روما مع حبي” ليس شبيهاً بتلك الأفلام التي تحمل طابعاً فخماً في تلك السنوات المليئة بالعظمة والشموخ وصنع النجوم، بل هو فيلم بسيط سلس بعيد عن التعقيد وذو طابع كوميدي درامي يشكل عنصر الحب جانباً مهماً في أحداثه الطبيعية والتي تنساب بهدوء من دون انتباه لتصبح مفارقة ساخرة.

القصص الاربع
يبدأ الفيلم بحكاية: الشاب “ميكيل آنجلو” شاب روماني وسيم (فلافيو بارينتي) تجمعه الأقدار مع “هايلي” سائحة قادمة من نيويورك (أليسون بيل) تستفسر عن الأمكنة مما يضطره الى مرافقتها لكن تلك المرافقة تتحول الى علاقة واعجاب ليتقدم لخطبتها فيما بعد، وتأتي عائلة الفتاة لتقابل عائلته، وإثر تلك النتيجة نلمس إنّ هذه المدينة كانت سبباً في ارتباط شابين بعلاقة، كما يؤكد على سهولة تمازج الثقافات والحضارات، ونكتشف إنّ والد الفتاة “وودي ألن” يعشق الموسيقى وينجذب الى والد الشاب حين يكتشف إنّ صوته أوبرالي عندما يغني في الحمام ويقرر أن يقدمه عبر عرض أوبرالي، لكنه يكتشف إنّ الرجل لا يجيد الغناء إلا في الحمام، القصة الثانية هي عن الزوجين المرتبطين حديثاً “أنطونيو” و”ميلي” (اليساندرو تببيري و أليساندرا ماستروناردي) اللذان يبدوان ساذجين جداً حتى يقع كل منهما في مشكلات غبية، جاءا ليقضيا شهر العسل في روما، إلا أن العروس تضيع وتفقد جهاز اتصالها ولا تعرف اسم المكان والفندق الذي يسكنه زوجها، وبعد بحث مضنٍ تتعرف على ممثل ايطالي وتبادله الاعجاب لتجد نفسها في بيته، في الوقت الذي يتعرف فيه العريس على بائعة هوى في الفندق وتنشأ بينهما أيضاً علاقة حميمة، في هذه القصة يحاول الفيلم أن يشير إلى سطحية الزواج السريع والى فكرة دخول الحب المفاجئ على حياة زوجين لم تبنَ علاقتهما على أساس الحب ليخونا بعضهما في اليوم نفسه، بل وفي أثناء شهر عسلهما، فهل يمكن لروما أن تكون سبباً في ذلك؟ في القصة الثالثة مهندس معماري “جاك” (جيسي إيزنرج) متزوج عن علاقة حب من “سالي” ( جريتا جرويج) يضطر لاستقبال صديقة زوجته المطلقة حيث تصر زوجته على أن يسليها ويجاملها بالرغم من أنّ المرأة متحررة حيث تنشأ علاقة عاطفية بينهما، ومن ثم تنقلب الأمور، كل شيء تغير عندما حلت هذه الضيفة المشكلة “مونيكا “(إيلين بايدج) ليعيش الرجل بين الاثنين. والقصة الرابعة مفاجأة كبيرة تنتظر مواطناً مجهولاً لم يكن يتوقعها “ليوبولدو”.
المعالجة
قصص الفيلم الأربع لا ترتبط بخيط واحد غير إن موضوع المكان ( روما ) والتماهي في موضوعة الحب والكوميديا الساخرة هي النسيج المشترك لتلك القصص، “ألن” لم يقدمها منفصلة كما قدمت أفلام بقصص متتالية، بل كان القطع الذكي ينقلنا من مشهد في قصة إلى مشهد آخر في قصة أخرى وبذلك حافظ على انسيابية القصص وخلق تشويقاً للبحث عن نتائج كل قصة ليجبرنا على الاحتفاظ بذاكرتنا موزعة على تلك القصص، يركّز الفيلم على مضامين الحياة المعاصرة، من قبيل سرعة تكون العلاقات بين الرجال والنساء على نحو غير متوقع، ومفهوم الحب، والشهرة الزائفة، عالجها “ألن” بأسلوب الكوميديا الخفيفة الممزوجة بمسحة من الرومانسية والسخرية أيضاً، روح أفلام “وودي ألن” كانت واضحة في عرضه هذا، وقد أثبت بأدائه التمثيلي بعد عودته انه لم يزل في القمة، وألن حائز على أربع من جوائز الأوسكار كمخرج وكاتب سينمائي، وقد تميز الفيلم بأداء ممثليه الذين اختارهم، منهم الممثلة الأسترالية “جودي ديفيس” التي رشحت لاثنتين من جوائز الأوسكار، وهذا هو خامس أفلامها مع وودي ألن والممثلة الإسبانية “بينيلوبي كروز” الحائزة على جائزة الأوسكار في فيلم “فيكي كريستينا برشلونه” وهو لـ”وودي ألن” أيضاً والممثل الإيطالي “روبرتو بينيني” الحائز على جائزة الأوسكار والممثل “أليك بالدوين” المرشح لجائزة الأوسكار.
فيلم ” إلى روما مع حبي ” يستحق المشاهدة لطابعه الخفيف الكوميدي الساخر، إلا أن النقاد لا يرون في هذا الفيلم القدرة ذاتها التي قدمها “ألن ” في فيلمه السابق “باريس منتصف الليل”، فهم يعلقون عليه هنا بأنه لا يبدو عملاً حاذقاً كما يُفترض بنا أن نتوقع, ولم يُظهر الكثير من ثقافة “ألن” التي ننتظرها منه, ولن يكون فيلمه هذا راسخاً في الذاكرة مثل فيلم ” باريس منتصف الليل”, لكن بعضهم يستدرك بالقول: “مع هذا فهو مفعم بروح “وودي” وعشقه وسحره وحبه للفن”. بلغت كلفة الفيلم 25 مليون دولار لكنه حقق واردات بمقدار 73 مليون دولار ويعدّ في وقت عرضه قد حقق أفضل الإيرادات.

فيلم To Rome with Love، تمثيل: وودي ألن، جودي ديفيس، سيناريو واخراج: وودي ألن.

مقالات ذات صلة

التعليقات مغلقة