فوكنر – فرانكو… آفاق السرد الرحبة

بشار كاظم

يُعد الروائي الأميركي ويليام فوكنر (1897 -1962 ) واحداً من العلامات الفارقة في تاريخ الأدب العالمي الحديث، فصاحب (الصخب والعنف) و (نور في آب) شكل تحدياً كبيراً لكل من اطلع على نتاجه الأدبي ومن ضمنهم النقاد والمختصون الذين أدرجوه مع جيمس جويس وفرجينيا وولف ضمن مدرسة (تيار الوعي) لما قدمه من أسلوب خلاق قائم على أساس تداخل وتنوع سردي في طريقة طرحه لرواياته وقصصه يتسم بتعدد مستويات السرد عن طريق تعدد شخصياته الأدبية. رواية (بينما أرقد محتضرة) التي نشرت في العام 1930 هي أحد أعماله التي رسمت أسلوبه المتفرد حيث تعد أصعب روايات فوكنر وأكثرها تعقيداً، وهذا ما جعل الكثير من ناشري ومترجمي الرواية أن يتدخلوا في متنها عن طريق إضافة الكثير من الحواشي، والترقيم المقترح للفصول رغبة منهم في تسهيل الأمر على قارئها. كل هذا التحدي لم يمنع الممثل والمخرج الشاب جيمس فرانكو (من مواليد نيسان 1978) من تحويل هذا العمل الأدبي الجبار الى فيلم سينمائي من إخراجه وتمثيله مع إسهامه في كتابة السيناريو (رفقة زميله في الدراسة مات ريجر) شارك من خلاله في مهرجان كان السادس والستين.
تدور أحداث الرواية في الريف الأميركي الجنوبي (إحدى أساسيات أدب ويليام فوكنر) عن انس بندرن وأولاده الخمسة (كاش، دارل، جوويل، ديووى ديل، فاردامان)، وهم يواجهون تحدي وصعوبات احتضار أمهم آدى بندرن، وبفقدانها تدخل العائلة تحدياً جديداً متمثلاً بطلبها نقل الجثمان الى مسقط رأسها بعربتهم الخاصة وبحضور العائلة بأكملها برغم الانقسامات والاختلافات بين أفرادها. يتناوب على سرد أحداث الرواية خمسة عشر شخصية بوجهات نظر مختلفة تعتمد على طبيعة الشخص وعمره اضافة إلى دوره في أحداث الرواية، وهذا ما يخلق تجربة جديدة ممتعة برغم صعوبة التواصل عند القراءة، وخير مثال على ذلك، الفصل الأكثر شهرة في الرواية المتمثل بجملة واحدة “أمي سمكة” على لسان أصغر شخصيات العمل فاردامان.
تعامل فرانكو مع هذا التحدي السردي برؤية اخراجية تنم عن موهبته الشاملة في فن صناعة الفيلم لا كممثل فقط كما يعرفه أغلب المتابعين، حيث اعتمد على طريقة الشاشة المقسمة التي تعرض حدثين في أوان واحد في معظم مشاهد الفيلم. مرة تتابع الشاشتان شخصيتين مختلفتين في مشهدين مختلفين وتارة تركز على شخصية واحدة مأخوذة من زوايا شتى في اللحظة ذاتها، وبهذا يخلق تقريباً صورياً كبيراً لتعدد الأفكار وتدفقها الآني لدى شخصيات تيار الوعي، فنحن في لحظة صورية واحدة إزاء الشخصية وماتفكر به. وهذا التكنيك يحتاج الى الكثير من الاتقان على مستوى المزامنة بين اللقطة الثابتة والمتحركة، أو الأحجام المختلفة لخلق توازن بين قسمي الشاشة وعدم خلق ارباك تقني – جمالي للمتلقي الذي يعيش نوعاً من الإرباك الفكري يراد به نقل ما جاء في أعمال فوكنر، وبذلك يبدو واضحاً للمشاهد النوعي حركة مونتاجية ثالثة، تربط بين حركتي الشاشتين، تتميز بالسلاسة والنعومة أو الحدة أحياناً على وفق المحتوى الفني للمشهد، وساعده بذلك أسلوب التعتيم التدريجي عن طريق كامرته المتحركة حسب النهج الوثائقي، وهو ما اعتمده كأسلوب في أعماله الاخراجية السابقة.
ومثلما وثّق فوكنر في (بينما أرقد محتضرة) معاناة الريف الأميركي آنذاك وبكل مستوياته عن طريق تنوع شخصياته، حاول فرانكو الاعتماد على هذه النقطة وجعلها أحد مصادر قوة اقتباسه للعمل لقربها وسهولة ترحيلها إلى أسلوبه السينمائي. في بعض مشاهد الفيلم تقابل الشخصيات الكاميرا وتبدأ بالحديث عن أفكارها ورؤيتها للحياة بما يشبه المقابلة التلفزيونية المصورة، من دون أن نغفل عن التعليق الخارجي الذي يرافق بعض مشاهد الفيلم. وبذلك يشكل هذا الفيلم الدرامي العديد من عناصر وجماليات الوثائقي مما يجعله عملاً متفرداً لايمكن حصره ضمن اطار محدد بثوابت وقوالب أكاديمية لما ترفده من جماليات و أساليب مختلفة استطاع فرانكو أن يجانس فيما بينها. ويمكن أن تشكل هذه الكثافة وتعدد الأساليب نوعاً من التشويش لدى المتلقي خصوصاً من ليس له دراية بأعمال فوكنر أو أي عمل آخر يعتمد أسلوب تيار الوعي؛ لأن واحدة من أساسيات تميز هذا العمل هو كونه تجربة ناجحة لنقل روح هذا الأسلوب الأدبي إلى الشاشة بعد محاولات فنية غير موفقة لتهجينه في السرد السينمائي أو طرحه بمعزل عن الصورة وأقرب إلى النص مما يفقد هذه المحاولات خصوصيتها بوصفها أفلاماً سينمائية. ويبدو إن جيمس فرانكو بعد أن تلمس نجاح هذه المغامرة تبنى خوضها من جديد حيث أتمّ عمل فيلم مقتبس عن واحدة من أهم روايات ويليام فوكنر “الصخب والعنف” والتي أنتجت كفيلم سينمائي في خمسينيات القرن الماضي الذي لم يحقق مايذكر .. ترى هل ستكون تجربة “الصخب والعنف” مغايرة لتجربة “بينما أرقد محتضرة” من حيث الرؤية الاخراجية، أم هي محاولة ثانية لتعزيز هذا الأسلوب ؟.

مقالات ذات صلة

التعليقات مغلقة