تفكيك مُتفجّرات

المُشكلة في «تُراثنا». باحثون مختلفون قرؤوا هذا التراث من زوايا عديدة، لكنها موحدة في طريقة المعالجة؛ حيث عولجت أكداس المرويات الضخمة بمشارط نقدية. عددٌ من هؤلاء الباحثين انفجرت بوجوههم الألغام وهم يباشرون عملية تفكيك المُتفجرات وتعطيل مفعول شحنات الغلوّ مخافة امتدادها لتسميم الحاضر والمستقبل وما بعد المستقبل. قديما وحديثا كان يقف أمام هذا النوع من المراجعات العلمية الجريئة.. الحرق، والصلب، والشنق، والنفي، والسجن، والإعدام، والاغتيال، والتفريق القسري بين مؤلف نقد التراث وزوجته.. إلخ
وبلا شك يحدث هذا وأكثر؛ فمنذ لحظة تماهي «تراثنا» مع المُقدّس كان لزاما علينا أنْ نعيش عُراةً من أيّ فعلٍ نقديّ مُضارع، وأنْ نُمارسَ الحياة داخل سلسلة قرون طويلة من اليقين المُسلّح و»الدكتاتوريات الرّوحية» الرّائعة! كذلك كانت المشكلة في نقد «تراثنا»؛ فكانت هناك أهواء نقدية تجتزيء وتبتسر كما يحلو لها. ومازالت المواجهات شرسة مع الجيش اليقينيّ الجرّار الذي ينهمك في نسف الآخر من أجل أنْ تظل أوهامه النرجسية باقية وتتمدد!
كم يصحّ الاستعجال أنْ نتحدّث عن مرحلة ما بعد تبخّر داعش؟ وما يستتبع ذلك من استواء قوى التوازن الدولي على رؤى استقرار في المنطقة؟ ليس هناك من أسئلة عابرة حاليا لمجتمعاتنا. فلْنسأل عن ما بعد داعش قبل أي سؤال أولمبي عن ما بعد الحداثة. طبعة التحديث والنهضة الخاصّة بنا مُختلفة؛ تستعيد في كل مرّة محكّات فكرية تتعلق بالدين، والسياسة، والجنس حيث طال أمد قطف ثمار التفكيك لمقولات العرب. الإسلام. والمذاهب. كما طال أمد تجوال التاريخ اليقيني كوحش طليق وسط الغياب المُفتقد والمُسنّ لوجه العدالة.
ليس هناك من بَطر فلسفيّ في القضية؛ فالمشاهد المتكررة في الميديا لحزّ الرؤوس واللعب بها، وأكل الأكباد، والجثث المُعلّقة، والسبي الجماعيّ، والتفجيرات، والاعترافات الباردة للإرهابيين العرب والأجانب بشأن الجرائم التي قاموا بها.. جعلت المُتابعين يتساءلون عن نوع الدين، والسياسات، والمنظومات القيمية، وغيرها التي تقفْ وراء هذه اللقطة السينمائية الجاثمة، والمُستفزّة، والمُحتلّة لحاجات الحاضر. هذه اللقطة الثقيلة هي بالطبع تحبس بوزن ثقالتها الأنفاس، وتسدّ الجهات التي يُعاني خلفها المُستقبل وهداياه الجميلة من الظلام، والوعورة، والعواصف القاتلة.
ومع ذلك.. لمَ، لا؟ لنباشر بالحوار. هذه هي الدعوة القديمة الجديدة حتى لو بدت كأنها حب من طرف واحد فعليها أنْ تبدأ لتشغيل العازل بين الزيت والنار. ولنقلْ من باب التفاؤل: لم يتأخر الوقت. إنْ لم ينجح الحوار وترسيخ السلام في الدنيا، فلدينا الآخرة. القضية لا تتطلب سوى الصبر إلى الأبد. المهم هو وجود طاولة، ونقاشات، وطقس جيد، وابتسامات بحجم المآسي!!
ميثم الحربي

مقالات ذات صلة

التعليقات مغلقة