مهدي الحافظ: عدم وضوح الهدف من تأسيس المجلس الى جانب مجلس النواب

معهد التقدم للسياسات الانمائية يناقش قانون المجلس الاتحادي العراقي
بغداد ـ سها الشيخلي:
اقام معهد التقدم للسياسات الانمائية الذي يترأسه وزير التخطيط الاسبق والنائب الحالي الدكتور مهدي الحافظ ندوة موسعة في مقر المعهد يوم السبت المصادف 18 تشرين الاول الجاري وتمت مناقشة مسودة مشروع قانون المجلس الاتحادي التي قدمها رئيس الجمهورية فؤاد معصوم لمجلس النواب وتمت قراءتها قراءة اولية في الثاني والعشرين من شهر ايلول الماضي ، وحضر الندوة عدد من المهتمين بالشان السياسي والقانوني الى جانب وسائل الاعلام .

عدم وضوح الصورة
واكد الدكتور مهدي الحافظ في حديثه عدم وضوح الصورة فيما يتعلق بالهدف من وراء تأسيس المجلس الاتحادي في العراق الى جانب مجلس النواب .. مشيرا الى الفكرة الاساسية للمجلس وهي مراجعة القوانين المبرمة من قبل مجلس النواب والذي له القرار النهائي في تمريرها من عدمه وهذا من شأنه ان يعرقل التشريعات ويطيل مدة اقرار القوانين .
واضاف الحافظ ان تركيبة المجلس المقترحة تبدو غير فعالة لاسيما وانه اعطى لجميع المحافظات الوزن نفسه فيما يخص تمثيلها في المجلس بواقع (4) اعضاء لكل محافظة بغض النظر عن ثقلها السكاني والسياسي وهذا من شأنه ان يربك العمل ويعقد الامور ..

الاسباب الموجبة
وشهدت الندوة عرضاً قدمه الحقوقي عادل اللامي تضمن ابداء العديد من الملاحظات المتعلقة بمسودة قانون المجلس الاتحادي حيث اشار في مقدمتها الى ان الأعراف والتقاليد الدستورية العالمية المعروفة خصوصاً في الدول الاتحادية ذات الديمقراطيات العريقة التي تبنّت نظام ازدواجية السلطة التشريعية بسبب كونها بالدرجة الأساس دولاً اتحادية تشكلت من انضمام عدة دويلات ،كالولايات المتحدة الأميركية حيث يتكون البرلمان الأميركي (الكونغرس) من مجلسين هما مجلس النواب ومجلس الشيوخ أو كانتونات ، كالاتحاد السويسري حيث يتكون البرلمان من مجلسين أيضاً (مجلس النواب ومجلس الشيوخ) ،أو تكون الدولة الاتحادية قد تشكلت عادةً من مجموعات إقليمية متجانسة تريد الانضمام إلى دولة واحدة من دون الانصهار التام في الدولة الجديدة وترغب في الاحتفاظ ببعض الحقوق والاختصاصات ، كأن تكون أقاليم ومقاطعات جغرافية قائمة بالدرجة الأساس على مكونات قومية ولغوية ،ومن هنا جاءت فكرة تأسيس مجلس يمثل رغبات ومصالح هذه المكونات الإقليمية ويكون عدد الأعضاء الممثلين لتلك المكونات الجغرافية متساوياً اوأقل من عدد أعضاء المجلس الثاني الذي يمثّل عموم الشعب بعدد يتناسب مع عدد السكان… مبيناً لقد تراجع الكثير من الدول ، ومنها الدول الاتحادية عن فكرة وجود مجلسين تشريعيين مع الزمن ونتيجة للتطور الديمقراطي ،ففي بعض الدول الاسكندنافية مثلاً تمّ إلغاء المجالس «الارستقراطية» أي المجلس التشريعي الأول كما حصل في السويد وفنلندا والدانمارك والنرويج، أو تم التقليل من أهميتها بنحو كبير كما حصل في بريطانيا، أو تم تحويلها الى هيئة ديمقراطية كما هو الحال في بلجيكا وفرنسا وهولندا… موضحا .. لقد قضت هذه الاعراف ان تكون اولالوية للمجلس الاول الذي يمثل بنحو اساس الدويلات، والاقاليم والكانتونات او المقاطعات المنضوية في اتحاد لتشكل الدولة الاتحادية (الفيدرالية) والذي يسمى حسب تقاليد الدول عدة مسميات مثل مجلس الاعيان، مجلس الشيوخ ، مجلس اللوردات ، مجلس الولايات او مجلس الاتحاد كما في الدستور العراقي النافذ ولكنها تدل على ان أعضاءه يمثلون النخبة في تلك الولايات وعادة ما تكون شروط انتخابهم او اختيارهم او تعيينهم اكثر صرامة ومميزات من اعضاء المجلس الثاني الذي يكون المجلس الأدنى حسب تلك الاعراف والتقاليد الدستورية حيث تكون شروط انتخابهم اقل متطلبات ومميزات من اعضاء المجلس الاول، فمثلاً يكون الحد الادنى لعمر المرشح 40 او 35 سنة، او ممن لديهم ملاءة مالية معينة او ممن تبوأوا مناصب مهمة وغيرها…
ويضيف اللامي وبالرغم من ان فكرة المجلسين التشريعيين ولدت من رحم الدول الاتحادية، إلا ان الفكرة ايضا لاقت رواجاً في بعض الدول غير الاتحادية ،أي الدول البسيطة مثل البرلمان المصري الذي يتكون من مجلس الشورى وله الاولوية ومجلس الشعب وأيضا في الاردن ، فإن البرلمان الاردني يسمى مجلس الأمة ويتكون من مجلسين الاولوية للمجلس الاول ويسمى مجلس الاعيان الاردني الذي يعين الملك أعضاءه تعييناً والثاني هو مجلس الشعب الاردني الذي ينتخب من الشعب، كذلك في العراق أيام العهد الملكي.
واشار اللامي وعلى الرغم من هذه الاعراف فقد خالف المشرع الدستوري العراقي هذه الاعراف بعدم إعطاء الاولوية للمجلس الاتحادي ولم ينص الدستور على هيكلية وطريقة اختيار اعضاء المجلس الاتحادي ولم يحدد صلاحياته وغيرها كما حصل مع التفاصيل الدستورية التي تنظم حياة مجلس النواب العراقي، بل ترك ذلك بالإشارة فقط في نص المادة (65): (يتم إنشاء مجلسٍ تشريعي يُدعى بـ (مجلس الاتحاد) يضم ممثلين عن الاقاليم والمحافظات غير المنتظمة في إقليم، وينظم تكوينه، وشروط العضوية فيه، واختصاصاته، وكل ما يتعلق به، بقانونٍ يسن بأغلبية أعضاء مجلس النواب.) وبذلك أفقد هذا المجلس الاولوية والاهمية التي أُنشئت من اجلها هكذا مجالس ، ناهيك عن ان مسودة مشروع قانون إنشاء هذا المجلس نصت في المادتين (2 و3) على ان الشروط الواجب توفرها في عضو المجلس الاتحادي هي الشروط نفسها الواجب توفرها في عضو مجلس النواب ،وأيضاً فإن طريقة انتخابهم هي طريقة نفسها وقانون انتخاب مجلس النواب. إذان نحن لسنا امام مجلس اتحاد قوي ويتمتع بالاولوية لكي يمثل مصالح المكونات الاقليمية والادارية للمحافظات العراقية ويحد من غلواء السلطة التنفيذية والتشريعية معاً إزاء المكونات الجغرافية للدولة العراقية «الفيدرالية» . بل اضفنا مجرد توسعة لمجلس النواب العراقي وكاهلاً جديداً على الميزانية العراقية من جهة ،وعلى حسن سير العملية التشريعية وسرعتها وجديتها لتلبية متطلبات بناء الدولة العراقية الجديدة التي تعاني من الكثير من الكبوات والمشكلات والإهمال من جهة اخرى، وسوف يكون المجلس الاتحادي ما هو إلا صورة مصغرة لمجلس النواب بكتله واحزابه الحالية وايضاً ستكون ارادة اعضاء المجلس الاتحادي مرهونة بإرادة قادة كتل مجلس النواب انفسهم… لافتاً الى ان من الملاحظات التي تدل على نية المشرّع في هذه المسودة التقليل من صلاحيات وسلطات رئيس مجلس الوزراء بصفته اهم منصب سيادي في الدولة وحسب الدستور العراقي انه ذكرت فيه عبارة (رئيس الجمهورية) – 20- مرّة وذكرت عبارة (مجلس الوزراء) – 6- مرات فقط ولم تذكر عبارة (رئيس مجلس الوزراء ) مطلقاً. وفي ما يأتي بعض التفصيلات لملاحظاتنا حول نص مشروع هذا القانون نأمل ان تدرس بعناية من المشرّع العراقي لهذا القانون.
واختتم اللامي حديثه بالقول ان الاسباب الموجبة تطرقت إلى (… ولكي تتوافق العلاقات بين الحكومة الاتحادية والحكومات الإقليمية والمحلية بنحو فاعل بما يضمن الحد من أي تدخل اتحادي في شأن إقليمي او محلي بنحو مخالف للدستور والقانون…) ولم تتطرق الى الاحتمال المخالف وهو ما يضمن الحد من أي تدخل إقليمي أو محلي بشكل مخالف للدستور والقانون في الشأن او الصلاحيات الحصرية للحكومة الاتحادية .

مشروع سيء
من جانبه اشار الخبير القانوني الدكتور محمد الحاج حمود الوكيل الاسبق لوزارة الخارجية الى ان مشروع قانون المجلس الاتحادي هو من اسوأ ما شهده العراق من تشريعات ان تم تمريره على هذه الصورة .. مبيناً ان المجلس لايتمتع بصلاحيات تؤهله لان تكون له الاولوية في التشريع كما ان قلة اعضاء المجلس البالغ عددهم (72) عضوا من شأنه ان يجعل عمله صعباً ومعقداً وان يكون صوته ضعيفاً مقابل صوت مجلس النواب الذي يضم (328) عضوا.
ودعا الحاج حمود الى ضرورة ان يكون التجديد للاعضاء بنسبة معينة 40 او 50 في المائة وليس لجميع الاعضاء لكي يستمر العمل ولايتوقف بسبب الانتخابات .. لافتاً الى ان الذين قدموا مشروع قانون المجلس بصورته الحالية يفتقرون للخبرة والكفاءة القانونية المطلوبة.

تجارب الدول
الى ذلك دعا الخبير الاقتصادي توفيق المانع الى ضرورة الاستفادة من تجارب الدول الاخرى التي سبقت العراق في تأسيس مثل هذه المجلس لكي تكون التجربة ناضجة وعدم الوقوع في الاخطاء .. مبينا ان العراق اليوم به حاجة الى مجلس يحميه من التناقضات والشد الطائفي ويكون موضع ثقة المواطنين وان لايكون موقعه في المنطقة الخضراء لان هذه المنطقة فيها رمزية استعلائية على الناس
المهندس المعماري هشام المدفعي لفت الى وجود ارتباك واضح وكبير في بسبب ما تضمنه الدستور من مواد غير واضحة مما يستدعي اعادة النظر في هذه المواد قبل الشروع بتاسيس المجلس الاتحادي الذي هو ضروري جداً .

تعدد التشريعات
اما الخبير الاقتصادي باسم جميل انطوان فقد اشار الى انه وعلى الرغم من انتهاء ثلاث دورات برلمانية الا ان البرلمان لم يحقق النجاح المطلوب لحد الان .. محذراً من ان تعدد الجهات التشريعية من شأنه ان يولد صراعاً حاداً يلقي بظلاله السلبية على الحياة في العراق .. داعيا الى ضرورة اعادة النظر في الدستور وتعديل المواد الملغومة فيه.
وفي سياق متصل اشار القاضي هادي عزيز الى وجود خلل تشريعي واضح في احكام السلطة التشريعية .. داعيا الى ضرورة اتباع الاليات التي تضمن اولوية الدستور .. ولابد من تعديل نص قانون مجلس الاتحاد ليكون ملائماً للهدف من وراء تأسيسه ..
وحذر عزيز من ان يكون تأسيس المجلس سبباً آخر لتاخير القوانين .. موضحا ان جميع القوانين جاءت بولادات قيصرية معقدة جدا مع وجود 67 مادة دستورية يجب ان تصدر بقانون ولكن الذي تم تنفيذه فقط 14 مادة على مدى السنوات الماضية وهي قوانين تتعلق بالمرحلة الانتقالية ..
وعدّ عزيز ان العراق اليوم يمر بمرحلة ماقبل الدولة فوجود السلطة العشائرية والمليشيات يعني ان هناك قانونا رديفا وبالتالي فان البيئة التشريعية تحتاج الى تنقية وتحسين .. مشددا على ان البلد ليس بع حاجة الى مجلس اتحادي في الوقت الراهن .

مفترق الطرق
من جانبه عدّ الخبير الاقتصادي الدكتور مظهر محمد صالح ان العراق اليوم امام مفترق طرق فاما ان يختار دولة المؤسسات وينجو من الخطر او استمرار وجود القوانين الرديفة فان البلد سيتجه صوب المجهول .. داعياً الى عدم اختزال الديمقراطية بجهة او تشكيل.
الدكتور حسين علاوي .. تساءل ماذا نفعل امام سطوة السلطة السياسية على المحافظات فهناك سعي واضح لانتزاع هذه السلطات من المحافظات .. وبالتالي فان تأسيس المجلس الاتحادي يمثل فرصاً لاثبات المواطنة من خلال اختيار الاعضاء الاكفاء القادرين على ايصال صوت الناس وترجمته الى قوانين وتشريعات تنظم الحياة وتحسن الواقع في البلاد.

مقالات ذات صلة

التعليقات مغلقة