اول مكافأة

كنت وانا في مرحلة المتوسطة اتابع مجلة «العاملون في النفط» وكان يجلبها لي جار لنا كان يعمل في شركة النفط وكانت تستهويني فيها مواضيعها الادبية والثقافية فسألت الرجل عمن هو مسؤول عنها فابلغني بان شخصاً يدعى جبرا ابراهيم جبرا هو المسؤول عنها ويتولى تحريرها وقلت له هل يسمح لي بالقدوم اليه لاني ارغب ان انشر فيها كتاباتي وتراجمي ، وفي الغد جاءني الرجل وابلغني بان الاستاذ جبرا يرحب بي ففرحت بالخبر وبعد ايام رحت احمل ما لدي من اعمال وجئت الدائرة التي يعمل فيها الاستاذ ودخلت الى غرفته فوجدته وحده في الغرفة وتناثرت الكتب فوق طاولته واستقبلني بكل اخلاقيات الجنتلمان واتخذت مجلسي قبالته ثم بادرني بالقول – باي لغة تحب ان نتكلم فيها ؟ قلت – اختر ما شاء لك بين العربية والانجليزية ، وما كدت اتكلم ببعض الجمل حتى وجدت الاستاذ يقف على قدميه ويقول لي – هل لديك جيب صغير في بنطالك ؟ قلت – بلى ، قال – هل تعلم يا ولدي بانك تتحدث الانجليزية افضل من اكبر دكتور في جامعة بغداد ، فمن اين تعلمتها ؟ قلت – تعلمتها في البيت اذ ان والدي يحسن الحديث بسبع لغات وان اخواني يحسنون الحديث بثلاث لغات واني درست اللغة الانجليزية في كنيسة على يد استاذ اثوري تخرج في الجامعة الاميركية في بيروت فرأيت الدهشة تلون قسمات وجهه وطلب مني ان يلقي نظرة على نتاجاتي وبعد التدقيق اختار قصيدتين مترجمتين من الشعر الانجليزي الحديث وابلغني بانه سينشرهما في العدد المقبل من المجلة واستاذنت منه بالخروج وخرجت وشعرت بان الدنيا لا تسعني من الفرح وفعلا نشر الاستاذ القصيدتين وذهبت لتسلم المكافأة فكانت خمسة دنانير ، ويا لها من ثروة في زمانها ، وتمضي الايام ويتولى النظام البعثي تأميم شركات النفط الاجنبية وصدف ان التقيت في طريقي على شخص موتور حاقد فبادرني بالقول – اسمع يا هذا ان السلطات ستحكم على سركون بولص بالسجن ل 15 سنة وعلى موسى كريدي ب 20 سنة وعلى عبدالرحمن مجيد الربيعي ب 20 سنة وستحكم عليك ب 10 سنوات لانك اصغرهم سناً ، قلت – لماذا ؟ قال – لانكم تنشرون في مجلة يشرف عليها ( عميل ) لبريطانيا ، نظرت اليه مستهجناً مستخفاً بهذه التهمة القذرة وقلت له – اذا كنت تقول الصحيح فهل كانت مخابراتكم تسمح للاستاذ ان يتنفس لدقيقة واحدة ، اخجل من نفسك وانصرفت عنه محتقراً له ولكني ما زلت الى اليوم اتذكر اول مكافأة تسلمتها .
صادق باخان

مقالات ذات صلة

التعليقات مغلقة