الشعر الأفرو ـ أميركي.. البحث عن المعنى الموازي للتأريخ والتجربة

عبدالكريم كاظم

يمثل النص الشعري الأفرو ـ أميركيّ سلطة مرجعية شديدة البروز في إنتاج الفكر الإنساني المتحرر من القيود الفكرية والرمزية حتى بعد انتهاء الحرب الأهلية العام 1865 وإلغاء العبودية في التعديل الدستوري الأميركي/ البند (13) كما تشير مقدمة الكتاب الجديد للشاعرة والمترجمة ريم غنايم الصادر عن دار الجمل بـ 240 صفحة من القطع المتوسط وبعنوان: (الموت في أرض ٍ حُرّة/ مختاراتٌ من الشّعر الأفرو ـ أميركيّ) . هنا بعض الانطباعات النقدية المبتسرة عن الكتاب.
إن القراءات النقدية التي استندت إلى طبيعة المعنى الشعري، في النصوص المترجمة، قد بلغت من التكاثر المتصل بالزمن أو التجربة ما يجعلها جديرة بالوضع تحت مسبر القراءة واقتفاء الدلالات وتلمس المعنى . وليس من شك في أن مثل هذه النصوص المترجمة كفيلة في حد ذاتها بإثارة العديد من الأسئلة النقدية الموازية لهذه التجارب الشعرية. هذه المختارات متصلة، أيضاً، بمتن نصي مفتوح منسجماً مع مقتضيات البحث عن المعنى الموازي للتأريخ والتجربة، ومما لا شك فيه أن قراءة تلك النصوص المترجمة يعرفنا عن كثب على التجارب الشعرية التي أسهمت اسهاماً وافراً في تكوين أجيال، عبر مراحل زمنية مختلفة، من شعراء أو الشعر الأفرو ـ أميركيّ وتطوره. ومن خلال هذا الكم من الأسماء الشعرية (82 شاعراً وشاعرة) نتبيّن بالفعل وحدة النسق الجمالي العام لهذه النصوص الشعرية المترجمة وفي تجلياتها المتنوعة ودلالاتها ومواقفها، وفي هذه النصوص أيضاً ثمة ثنائية قائمة بين: الحرية والعبودية، فالحرية ليست دائماً هي الغرض المحدد من المعنى الشعري وإن يكن دائماً هو الشكل الشعري المحدد وصفاً وليس دلالة، أما العبودية فهي الحالة المتصلة بالدلالة والمحددة بشكل تأريخي دقيق، والطابع التأريخي السائد في أغلب النصوص هو زمنٌ بآثار التجربة المحددة وتداعياتها التأريخية المختلفة.
يقول الشاعر الإنجليزي بيرسي شيلي: (أن ترجمة الشعر محاولة عقيمة تماماً مثل نقل زهرة بنفسج من تربة أنبتتها إلى زهرية) في حين يرى جاكوبسون: (إن الترجمة الوحيدة الممكنة هي النقل الإبداعي الخلاق، أي إعادة كتابة القصيدة وإنتاجها من جديد)، وعليه يمكننا القول أيضاً أن الترجمة مهمة عسيرة، كما هو معروف، ولذلك يتطلب من المترجم/ة أن يتعايش مع المعنى بكل ما يتضمنه من أحاسيس وصور ومؤثرات فنية لغوية أو إيحائية وأن ينقل حمولة اللفظ وخصائصه من لغته الأصلية إلى اللغة الأخرى لكي لا تضيع بعض ملامح النص الأصلي وهذا ما لمسته القراءة النقدية في كتاب ريم غنايم الذي أخرجنا من متاهة البحث عن نص مترجم هو أقرب إلى الأصل أو ردم الفجوة، التي تحصل دائماً، المتصلة بترجمة الشعر التي تؤرق، بدورها، المترجم/ة الأمين والقارئ النقدي على حد سواء. إذن، احتفاظ النص المترجم بالمعنى، في هذا الكتاب، أو بجماليته السحرية التي تتدفق من انسياب لغته، ذلك الانسياب الذي عبر عنه الجاحظ بــ (كثرة الماء) في سياق حديثه عن اللفظ والمعنى، ومن هنا أيضاً قادتنا ريم غنايم إلى البحث عن كل عناصر اللغة والحياة والتجربة في تعقيداتها ودلالاتها اللامتناهية، فقد كانت أغلب هذه النصوص المترجمة هي بمثابة دعوة إلى اكتشاف أفق شعري مغاير وبدلالات إضافية تتجاوز مفهوم القيمة الجمالية العابرة أو بمنزلة إطلاق العنان للمخيلة والذاكرة في ابتكار عوالم شعرية متصلة بالتجربة ومنسجمة مع المعنى الشعري المجرد، ولأجل الوصول إلى المعنى المجرد، لجأ الشعراء (وهم من حقبٍ تأريخية متنوعة) إلى لغة الوجدان الروحي فتوحدوا برموزها واستعانوا بكثافتها، وهي اللغة، نفسها، التي تجمع بين التجلي الرؤيوي لانكشاف المجرد المحسوس ولصوغ المعنى من اللفظ ولاكتشاف واقع التجربة الذاتية في مرارتها أو التجربة الحياتية في قسوتها، وبين الغاية الفكرية التي استمدت طبيعتها من صميم التحول الكوني لمعنى الحرية والتجدد المعرفي، وفي خضمّ هذين البعدين، الرؤيوي ـ الفكري، استعاد الشعر الأفرو ـ أميركيّ موقفه من الوجود وعلاقته بالواقع، ولكن بوعي شعري مختلف مكنّه من امتلاك أدوات الرؤيا والتحرر، الانبعاث والتجدد ونبذ العبودية وزجر السكون وقد تكون الفقرة الأساسية والحقيقية المجردة لهذا الشعر في التحول من بلاغة الكلمات إلى بلاغة المعنى المتصل بالحياة والطبيعة.
ثمة التقاطات شعرية، من هذه المختارات المترجمة، تحاول القراءة النقدية الكشف عنها وعن المعنى، فما يكشفه أو يلمسه القارئ ليس إلا عتبة لما يظلُ غير معرف ويدعوه، المعنى في ذات الوقت، إلى معرفته وكأنه بقدر ما يكشف يزداد بحثاً، أي يزداد رغبة في استقصاء المعنى المتواري ما بين الألفاظ الموجزة والعبارات والجمل الشعرية المثقلة بالإشارات، لنطلع على البعض من هذه الالتقاطات الشعرية المختارة مع الإشارة إلى اسم الشاعر أو الشاعرة: (بول لورنس دنبار: في مجرى النسيان الساكن، اروِ ظمأك/ ص 30) (كلود ماكاي: ما الذي يجعل الغمام الرمادي أحمر كالنبيذ/ ص 35) (وليلم ستانلي بريثويت: سعيدٌ انا لأن لقلبي بواباتٍ منفصلة/ ص 41) (انجلينا ويلد غريمك: لمَ أنت أسود أيها الأصبع الساكن الجميل؟ ص 42) (لا نغستون هيوز: في مظروف كُتب عليه: شخصي، أرسل الله إليّ رسالة: وعلى نحو ٍ شخصي أجبتهُ/ ص 68) (غلوريا كاثرين أودن: وحده المطلق يدوم/ ص 124) (تد جونز: لا شيء تهابه من شاعر غير الحقيقة/ ص 129) (أودري لورد: لو تأتي برفق كما الريح في الأشجار، قد تسمع ما أسمع، ترى ما يراه الحزن/ ص 150) (هيلين أرمستاد جونسون: أرقب خط الظلال يبدل حائط المساء، فيما النسمة تُطلق من الشباك نقوشاً مبهمة/ ص 172) (سونيا سانشيز: السحر يارجُلي هو أن تحول جسدي إلى ألف ابتسامة/ ص 178) (جاين كورتيز: القصائد اليوم كالأعلام ترفرف فوق سقف محل للخمور، القصائد كالقرود تنتظر سُيّاحاً يُلقمونها/ ص 229) . إن هذه الالتقاطات، وغيرها الكثير، لا تخلو من طبيعة الإيجاز اللغوي الذي يثير حالة فنية ـ جمالية لا تقفز على النص الشعري المترجم بل تجعل من اللفظة أو الجملة والدلالة مجرد وسائل إضافية للوصول إلى المعنى.

مقالات ذات صلة

التعليقات مغلقة