الأخبار العاجلة

فوبيا أدونيس

مع اعلان نتائج الفوز بجائزة نوبل للآداب وفوز الفرنسي باتريك موديانو حتى اتسعت دائرة الحديث عن سر عدم فوز الشاعر أدونيس بالجائزة، واحتفاظه بموقع المثقف الأكثر ترشيحاً للجائزة..
هذا الحديث- للأسف- لم يكن ثقافياً في أغلبه، إذ أن البعض ينظر إلى أدونيس من زاوية مرجعياته الثقافية والهوياتية، والبعض الآخر يراه صورة للنمط الثقافي العربي المفارق لكثرة خروجاته على مهيمنات الأمة السائدة وشكوكه بقواها السحرية، وثمة بعض آخر يتخندق مزاجياً في المختلف، ولانعرف شيئاً عن طرائق تقييمه للمنجز الثقافي وكونيته وخصوصيته في التعبير عن ثقافة جمعية أو محلية على طريقة مافعله نجيب محفوظ الفائز بالجائزة عام 1988.
فوبيا أدونيس تحولت الى موضوع مثير للجدل، والى حديث مفتوح عن علاقة المثقف بالأمة، والمثقف بالدولة أو المثقف بالايديولوجيا والتاريخ والهوية والجماعة، وليس عن خصوصية هذا المثقف بما يمكن أن يثيره من أسئلة تلامس جوهر الصناعة الثقافية وقدرتها على مواجهة تحديات مرعبة تمسّ اشكالات الأمن الثقافي والعقل الثقافي والحريات والحقوق المدنية والدولة المدنية ومنظومات التعايش والديمقراطية والعلاقة مع الآخر..
أدونيس- في هذ السياق- واحد من أكثر مثقفينا العرب نزوعاً نحو المواجهة، وتمرداً على رعب التاريخ والمقدس والتابو، وهذه المواجهة تتطلب الكثير من الجرأة والشجاعة والوعي المسؤول، إذ وضع أدونيس نفسه أمام كل العربات الباحثة عن طرق أخرى للحرير، مثلما حمل ارهاصات وعيه بالحداثة والحرية والكتابة ليصطنع له (حجابات) متقدمة لمواجهة رعب الأصوليات والتطرف والتكفير والاستبداد والتخلف، وهذا بطبيعة الحال لايخص مزاج أدونيس الشعري، ولا حتى انغماره التاريخي في حراك التحديث الشعري حسب، بل هو تمثل لفعل الوعي بالحرية، وبمسؤولية الارادة، تلك التي يحملها المثقف العضوي والنقدي والاحتجاجي والثوري والمعرفي لمواجهة سلسلة من الخرابات التي باتت تصنعها السياسات الرديئة والحكومات العائلية والعسكرية والثورات الشوهاء والخنادق القبلية والطائفية والدينية والقومية، والتي أفرزت عبر عقود (بطولات) مرعبة لقوى الرجعية العربية، بما فيها الرجعيات الأصولية والفقهية والتاريخية، مع الكثير من الأقنعة الأيديولوجية والحكومية..
الحكم على أدونيس تجاوز أية طريقة للتحليل الساذج بشأن مايخص الفوز بالجائزة من عدمه، ولايمكن مقاربته الاّ في ضوء وعي مايمثله خطاب أدونيس الشعري والفكري والنقدي، والذي يمكن موضعته داخل خطاب (الصدمة) التي يحتاجها العقل العربي الشائه والمضطرب والمصاب بفوبيات الجماعة والأصول والاستبداد.. وأحسب ان اجترار البعض الحديث عن أدونيس والجائزة، أو حتى تضخيم الجائزة على حساب أدونيس لن يكون حديثاً مسؤولاً؛ لأنه يعيد إنتاج النظرة الضيقة التي وضعت أدونيس في خانة الشاعر المتمرد وربما المارق على تاريخ مسكون بالكآبات الثقافية والانسدادات التاريخية، أو ربما وضعته في جغرافيا الخنادق الصراعية، خنادق الطوائف والجماعات، والتي تعبّر بضجيجها عن محنة ثقافتنا العربية وعجزنا عن مواجهة أشباح الماضي التي تخرج اليوم لنا بأسلحة الفقه الأسود وفتاوى القهر والقتل التي باتت تحرم كل شيء بدءاً من لذائذ الجسد وحريته، وانتهاء بنصوص الحداثة ومابعدها، بوصفهما نصوصاً للكفر العلني…
علي حسن الفواز

مقالات ذات صلة

التعليقات مغلقة