رؤية ما ليس موجوداً «الشتــاء وقصــائــد أخــرى»

جبار النجدي

لا شكّ في ان مفردات الطبيعة هي الأكثر شيوعاً في مجموعة الشاعر معتز رشدي (الشتاء وقصائد أخرى)، ما يدفع بتصوراتنا الى ان ثمة ميلاً ينمُّ عن حالة تأملية تقف بعيداً عن الاشتغالات الشعرية المنتجة، لكن سرعان ما نكتشف أن الاشتغالات الشعرية في نصوص المجموعة تجيد التمركز في موجهات الطبيعة على وفق آلية عمل تعتمد على التقاط مشاهد المكان واستثمار خطوط التداخل بين مفردات الطبيعة بوصفها محركاً من محركات الكتابة الشعرية، وبناء على ذلك نجد ان تلك المفردات تتوق الى خلق مكان شعري ساعية الى صوغ وجودها انطلاقاً من ذلك.
وبهذا لا تكف كلمة الشتاء عن النطق بكلمات أخرى مرادفة لها مثل (الثلج- الضباب- الريح- الصقيع- البرق- الغيوم- المطر- البرد- الخ)، منطلقة من بُنى شعرية قابلة للتحول كظاهرة منتجة للمعنى وليس عرضاً للتمظهرات المرئية فحسب، أو من باب الامتثال الى المتع البصرية، لكنها تعمل انطلاقاً من منظور رؤية ما ليس موجوداً، وان هذا ليعني بالنتيجة ان الشعر في نصوص المجموعة على استعداد كافِ لمغادرة مفردات الطبيعة والانتقال بها من المفهوم التأملي الى المفهوم الاشتغالي وهو مفهوم عمل بإمكانه ان يشكل في الكتابة الشعرية ظاهرة منتجة للمعنى:
حسبته قطرات
مطر:
الحصى
المنهال
على نافذتي
من سماء بلادي
البعيدة
لذا يمكن القول ان مفردات الطبيعة في النصوص هي في حقيقة الأمر لا تحاكي ما يقابلها بين الموجودات، بقدر ما تحاكي حقلاً دلالياً آخر يجيز حالة نادرة من الاستبدال بين (المطر والحجر) وبالتالي فهو ينفلت من أصله ولا يسعى لرد الشيء الى نظيره، لدرجة ان كل قراءة للنصوص هي انكشاف مختلف لها، بما تحمله من وجوه للمعنى والدلالة حيث تستوفيان قيمتهما عبر موقعهما في السياق وبموجب أنماط من الادراكات المتغيرة:
غيوم
غمرت البيت
كله:
ورذاذ
رذاذ.. يرافقني
حتى
نهايات
القصيدة
وهكذا نرى جلياً ان مفردات الطبيعة لا تهب ذاتها للثبات الى الحد الذي لا تكون فيها هذه المفردات يقينية ومميزة من غيرها وان ما تحفل به من ظواهر الطبيعة لا يعدو أن يكون استجابة لارتعاشة الأشياء وذهولها، وعلى وفق متغيرات لا تنقطع مقرونة مع معايير الاحتمال التي بمقدورها ابعاد حالة الثبات، بوصفها من الظواهر الطبيعية المتكررة باستمرار:
ممشى الغابة
الطويل
الطويل
المرصوف من جانبيه
بحصى ملونة
وقواقع،
أتمشى كل يوم فيه كأول مرة،
أيوصلني
ذات رذاذ
الى الجنة؟
ويكفي أن نلاحظ ان مفردات الطبيعة هنا قد تحولت من سكونيتها لتقيم صلات اختلاف مع الأشياء من حولها عبر صور متعددة التراكيب، استناداً إلى ان الشعر يعلو شأنه لا بثباته بل بمتغيراته، وبما يحتمله من وجوه شتى، وفي هذا الخصوص فأن المعنى يتحول الى أثر بديل للطبيعة واحداثياتها المتحركة ويتأكد ذلك مثلاً في نص (هجرة) فحينما يكون مظهر السماء قابلاً للتنبؤ، تلعب حالة الاشتغال دوراً، غير متوقع لتكون بديلاً عن حالة التأمل لترسم طقساً شعرياً غرائبياً وصولاً الى ترقية الطبيعة الى أعلى مراتبها في الحركة والتحول وينشأ من ذلك ضرب من الشعرنة لمفردات الطبيعة التي يكون بوسعها أن تنتج قراءات شعرية متعددة:
الغيوم، اليوم،
خفيضة
بيضاء
تدفعها إلى شرفاتنا
أجنحة الإوز المهاجر
أعماقنا
اكتظت برائحة
البراري
وفي اتجاه متقارب وضمن سعي الشاعر لتوسيع نطاق التخييل تتأكد الحاجة الى ابتعاد المشاهد المرئية في النصوص عن أي اثبات واقعي على الرغم من متانة صلتها بالطبيعة والسبب يعود الى ان الشعر ينساق أمام متغيراته ولا يترك مجالاً الى أي اثبات أو يقين، فهو المالك أبداً لقدرة الافتراض:
مطر خفيف-
حور عين
يغتسلن:
خضرة تتنهد
بهناءة
وفي أعماقي تتنفس
وإذ يسكن المطر
ينبعث منها
ومني
ضباب
له رائحةُ الجنة
ان نصوص الشاعر معتز رشدي تسمح لنفسها في أن تكون شاهداً على مسار تحول الموجودات من شكل الى شكل آخر الى جانب القدرة على تمرير المعنى عن طريق آليات الافتراض، وبالتالي إثارة الرؤى الشعرية تمهيداً لانفلاتها من صلابة الوثيقة وجمودها الى ما هو بعيد عن التوقع.

مقالات ذات صلة

التعليقات مغلقة