النفوس الضعيفة

يوجد في كل مجتمع وفي كل دولة أناس من النفوس الضعيفة. لا يشكلون أولئك نسبة عالية بالمجتمع على الأعم الأغلب، لكنهم يشكلون حالة استثنائية تثير الشعور بالغرابة نتيجة سلوكياتهم المهزوزة ومفاهيمهم ذات الطابع المريب.
هذه الشريحة من المجتمع ليست شريحة متجانسة من حيث التصنيف الطبقي ولا المستوى العلمي ولا القومي؛ إنها شريحة متجانسة بالعامل النفسي بدرجة أولى، لكنها موجودة في كل زمان ومكان. عند التأمل بهذه الظاهرة الاجتماعية الغريبة التي تظهر على السطح عند الأزمات الاجتماعية والسياسية الجادة، نرى بوضوح أن هذه الشريحة من المجتمع يحكمها سايكلوجيا عامل الخوف وعناصره المتفرعة. الخوف على الحياة بالدرجة الأولى، والخوف على الوظيفة والمركز، والخوف من خوض المجهول أو المغامرة بما هو موجود لديها. في الواقع أن هذه الشريحة تشبه كثيرا فكرة الانتهازية داخل الأحزاب وفي مرافق العمل الوظيفي والوصول إلى مراكز النفوذ عن طريق التملق والتزلف وتقديم الخدمات المجانية بطريقة أقرب للعبودية ومسخ الذات. بيد أن الشريحة المعنية بهذا الصدد لا تمت بصلة للفئة الانتهازية. إنها حالة نفسية بحتة يتحكم فيها عنصر الخوف المتأصل بها روحيا وفكريا وجسديا.
هذه الشريحة الاجتماعية ليس لها توجه سياسي محدد؛ نظرتها للسلطة تتلخص بمبدأ واحد «كل من يتزوج أمي يصير عمي». وكلامها العام ينطوي على التهادن والتخاذل كأن يقول البعض منهم «ما علينا بالذي يجري ونحن لاحول لنا ولا قوة» أو «ما دخلنا بالسياسة». تلك الجمل الفضفاضة ربما تؤثر بالمحيط الضيق الذي تتواجد فيه هذه الشريحة، وبقدر ضيق أيضا. إنه نوع من الحماية الذاتية الغامضة.
العجيب بالأمر أننا نعيش بالسويد بعيدا عن جميع المخاطر المباشرة التي تحيق بالوطن والشعب من قبل تنظيمات داعش والدولة الإسلامية ونجد مثل هؤلاء الناس الذين يستشعرون الخطر على بعد عشرات الآلاف من الكيلومترات فيقولون أن داعش على أبواب بغداد والعراق تحت سيطرة دولة الخلافة، والأفضل لنا القبول بالأمر الواقع، والأقوى هو الذي يحكم بالأخير. عبارات هامشية تخفي ورائها إحساس ميت بالواقع وبالمستقبل.
هذه الشريحة تريد أن تنأى بنفسها عن جميع المخاطر المحدقة بها داخل الوطن أو خارجه، وهي لا تدرك جيدا أنها من الضحايا الأولى للإجرام والمجرمين العشوائيين. يخافون من بعض أصحاب الذقون في بلدان أوروبا ويدرؤن الشر عن أنفسهم بوسائل الجبن والتواري عن الأنظار.
نطمئنهم ونقول لهم أن العراق بخير رغم موجة الشر الطارئة، وبغداد العظيمة بخير وتعرف جيدا كيف تدافع عن نفسها وبأهلها ضد الجهل والظلام. بغداد أكبر وأعلى من داعش.
علي عبد العال

مقالات ذات صلة

التعليقات مغلقة