الخلافة أم العلمنة؟

من الاكاذيب الأشد رواجاً في مجتمعاتنا المسكونة بمنظومة لا مثيل لها من الخزعبلات؛ هي وجود ونمو الحركات الاسلاموية واعلى مراحلها (الدعشنة) بوصفها رداً على فشل التجارب (العلمانية) في مضارب «خير أمة»..؟! سلاح الكذب الشامل هذا وغيره من تقنيات الارث العتيد من ترسانة المكر والدهاء، هو من اهدانا النسخة المتطورة من خلافة عصر ما بعد الحداثة.
كل من يعرف شيئاً عن المشوار الطويل والمرير الذي قطعته سلالات بني آدم للوصول الى مرحلة علمنة شؤونهم الدنيوية وفك اشتباكاتهم العضال باقل الخسائر الممكنة، يدرك جيداً كم هم العرب ومن يتجحفل معهم بطقوس غيبتهم العظمى عن هموم العالم الحديث، بعيدون عن مثل هذه المنظومة الراقية والمتطورة في التعاطي مع حاجات وتحديات الحياة الحديثة. يضعون مؤسس الجماهيرية العظمى ومدون الكتاب الأخضر في قائمة الآباء المؤسسون للعلمنة اليعربية، كما هو حال قائد الحملة الايمانية في عاصمة الرشيد وغير ذلك من مسوخ الشخصيات الغرائبية والاحزاب السياسية التي لا تمت بصلة للشروط والبيئات التي خصبت وفقاً لمتطلباتها تلك الفتوحات العلمية والمعرفية. ان العلمنة هي تتويج لكل ذلك الجهد والكفاح والابداع والابتكار الذي اعاد رسم ملامح العالم بالشكل الذي يليق بمواهب ومكانة المخلوق الذي حاولت الشرائع السماوية والوضعية تكريمه ذات عصر. أما ذلك المنحدر من مؤمياءات التاريخ (الخلافة) فهو نظام يليق بالمخلوقات والقوافل المسكونة بعجاج الروايات ومسلسلات شهر رمضان التاريخية واساطير منابر الجزيرة القطرية، وامجاد الفاتحين العظام من سلاطين وشيوخ وأمراء ومماليك وقبائل مقدسة اعادت انتاج الحاكم بأمر الله البغدادي القرشي في الاول من شهر رمضان عام 2014 وبعد مرور تسعين عاماً من اكرام اتاتورك لها عام 1924.
ان ما طفح من اعراض شاذة ومرضية في الاعوام الاخيرة، وارتفاع وتيرة وحجم الانتهاكات والجرائم المروعة بحق عيال الله من مختلف الالوان والازياء في مضاربنا المنكوبة، خاصة بعد الاعلان عن تحقق فردوسهم المنشود هذا (الخلافة) في التضاريس التي استباحها حزب البعث (العراق وسوريا) يشير الى ان المأزق الحضاري والسياسي في هذه الاوطان القديمة، قد وصل الى مستويات كارثية، تستدعي الاعلان عنها بوصفها مناطق منكوبة، تحتاج الى تدخل عاجل من المجتمع الدولي وكل القوى التي يهمها أمر السلم والأمن والاستقرار كي تمد يد العون لانتشال ما تبقى من شعوب قديمة على هذه التضاريس المستباحة بهذيانات عالم ما قبل كوبرنيكوس. ومع مثل هذه المصائر التراجيدية والمخاطر الفتاكة، تجد شعوبنا وقبائلنا نفسها بمواجهة لابد منها مع الفريضة الارضية الغائبة والمبعدة… العلمنة هي الحل.
جمال جصاني

مقالات ذات صلة

التعليقات مغلقة