الأخبار العاجلة

عاصمة التعددية والإبداع والجمال

جمال جصاني*

ولدت مدينة الالف ليلة وليلة في المكان الذي تلاقت وتخصبت فيه أقدم الحضارات واعرقها، ومنذ اللحظة الاولى جسدت التعددية والتنوع القومي والثقافي روحها وهويتها وسر تطورها وازدهارها، وعلى الضد من ذلك مثلت الغزوات المتنافرة وتلك الروح مقتل هذه المدينة، التي اصبحت مركزاً للعالم لعشرات السنيين قبل أكثر من الف عام، وخاصة زمن حكم المأمون، والذي تجسدت في سياسته روح التعددية والتسامح والحوار بين ممثلي مختلف الطوائف والنحل والاجتهادات الفكرية والمعرفية، حيث عرف مجلس المأمون بضمه لأفضل العقول في مجال العلوم المختلفة، يشارك فيه؛ المسلم والمسيحي واليهودي والمانوي والملحد واصحاب مختلف العلوم والمهن، من دون ان يسيء أحدهم لعقائد الآخر، مع مثل ذلك الانفتاح والتلاقي لمختلف الاجتهادات العقلية والوجدانية ازدهرت بغداد وتبوأت مركزها على سنام الريادة الحضارية في العالم آنذاك. وبالرغم من الهزائم والغزوات المدمرة التي تعرضت لها هذه المدينة التاريخية العريقة، وطول مدة السبات الذي عاشته مع القوافل العابرة من القبائل البدوية والهمجية التي استباحتها على مدى القرون القريبة الماضية، الا انها برهنت على ان جمر تلك الروح التي شيدت على اساسها هذه المدينة، ما زالت متوثبة تحت ذلك الرماد والركام. وكل من يتصفح شيئاً عن نشاطها ونوع الحيوية التي عكستها بعد تحررها في نهاية النصف الاول من القرن المنصرم، لابد من ان يدرك مثل هذه الحقيقة والاستعدادات لاسترداد روحها المترعة بالتعددية والتنوع والابداع.
لقد تعرضت المشاريع الطموحة لهذه المدينة في اللحاق بركب الحداثة والمدنية الى حملة مضادة وعملية اجهاض واسعة وشاملة، خاصة بعد سلسلة الحروب والحصار الظالم الذي تعرض اليه هذا الوطن وعاصمته المنكوبة بالمنظومات الاجرامية والمتخلفة. لقد تحولت مشاريع الاعمار والبناء الواعدة نهاية الخمسينيات من القرن المنصرم، الى حزمة من المغامرات والتجارب الخائبة، والتي اهدرت طاقات وثروات العراق في حروب ما زالت تداعياتها وافرازاتها السامة متواصلة ليومنا هذا. وكما قيل قديماً عن الحرب؛ (أولها نجوى واوسطها شكوى وآخرها بلوى) وها نحن اليوم نحصد الثمار المرة لمشعلو الحرائق والانتهاكات والغارات الهمجية المنحدرة الى تضاريسنا وعاصمتنا من ذات المغارات المعتمة.
ان عجز مدينة بغداد وسكانها من مواجهة المخاطر المحدقة بها، يعود بالاساس الى العطب البنيوي الذي لحق بملامحها وهويتها الاصلية، حيث هيمنت قوى الهمجية والتخلف على مفاصلها الحيوية، وبدلاً من ان تنهض بدورها الريادي في التصدي للردة الحضارية الشاملة التي عصفت بالعراق وغالبية المنطقة، اتشحت شوارعها ببيارغ القبائل والطوائف والملل، واصبحت شرعة العشيرة وسننها هي السائدة على حياتها اليومية. ان شلل الحياة والعجز عن مواجهة التحديات يعود الى هذه الخلطة العجيبة من القيم المهيمنة على المشهد الراهن. ومن المؤسف مشاهدة غير القليل من المحسوبين على الانتلجنسيا العراقية وهم يتدافعون عند أطراف الولائم المقامة في مضايف القبائل السياسية والعقائدية والتي تلقفت جوائز الفتح الديمقراطي المبين في العقد الأخير من حياة بغداد. مثل هذه المناخات من التردي القيمي والحضاري، شجع حثالة الاقوام والمجتمعات وفلول النظام المباد ممن يحلمون بالعودة ثانية الى الغنيمة الازلية والثروات الاسطورية لبغداد وباقي التضاريس العراقية، من التجرؤ مرة اخرى على تجريب حظوظهم، في ملتقى التعددية والتنوع والسؤال، بعد رفع بيارغهم في تضاريس لم تعرف غير مدونات الرسالة الخالدة والغطرسة واللون الواحد والعجاج. ان استرداد بغداد لهويتها ووظيفتها ودورها في هذا المفصل الاخطر في تاريخنا الحديث، هي المهمة الاساس التي تواجه كل الذين ما زالوا يقبضون على شيء من الحكمة والمسؤولية والوعي بطبيعة المخاطر المحدقة بوجودنا ومصيرنا كعراقيين في هذا الوطن القديم.
ان منظومة (الدعشنة) من مختلف الرطانات والمنحدرات، تمثل الضد النوعي لما يمكن ان نطلق عليه بـ (البغددة) أي المدنية والحداثة والتنوع البعيد عن الغطرسة الخاوية والشراهة والاستئثار وكل ما يمت بصلة للفرقة الناجية والطائفة المنصورة وذلك الارث من فضلات الكراهة والاحقاد. هذه المنظومة التي لا تجيد حز رقاب عيال الله وسبي نساءهم واطفالهم، بل الانتصار لهم ولحرياتهم وحقوقهم المدنية. وهي ما سوف تنهض به هذه العاصمة العتيدة رغم انف الموجة الجديدة من قوافل الهلوسة والغيبوبة والهذيان المحتشدة عند اطراف المدن. مثل هذه التهديدات لنمط الحياة المدنية، تمثل تجلياً صريحاً للصراع الحضاري المحتدم في هذه المنطقة التي تخلفت كثيراً عن متطلبات العيش في عالم يزداد تراصاً بفعل الفتوحات العلمية والقيمية والمعرفية لا الغزوات المثقلة ببضائع اليباب والموتى. وفي مثل هذه المواجهات المصيرية يكون الأوان قد آن لذلك الارث المشرق والمتوهج لهذه المدينة كي يستعيد زمام المبادرة ليطمر بقايا المنقرضات مرة واحدة والى الأبد..

مقالات ذات صلة

التعليقات مغلقة