الأخبار العاجلة

بغداد .. زمردة تطرز جيد دجلة

علي صابر محمد*

بغداد حلم جميل يعشعش في الذاكرة ، مدينة تبعث الدفء والطمأنينة للقلوب ، مدينة الأمل يعيش في أحضانها أناس من كل طيف ولون ، معينها أنها مفتوحة للجميع ، سمارها العلم والثقافة ، عشاقها من الطيبين الباحثين عن غد مشرق وحب دائم وفضاء رحب ، ليلها عذب ، مدينة كانت تنبض بالحياة ولا تخلو شوارعها من الحركة ليلا ونهارا ، بغداد مدينة ألف ليلة وليلة ، وأبو نؤاس رئة بغداد بسحره ورونقه وشذى حدائقه وخيال رواده ، والباب الشرقي وشارع الرشيد والسعدون مناطق سياحية تبهر الناظرين في صورها وأناقتها وكمب الأرمن عندما تجتمع العوائل المسيحية أمام منازلها في جلسات مزينة عصر كل يوم لتضيف الى جمال بغداد جمالا انسانيا ، ومقاهي تعج بالأدباء وصناع الكلمة ، وأغاني هادئة ورقيقة ومقامات تطرب النفوس ، ودور السينما المنتشرة في كل مناطق بغداد وهي تعرض آخر افلام هوليوود والعوائل البغدادية ترتادها بأجمل حلتها وعطرها لتقضي سهراتها على مشاهد من أحدث العروض ، وسوق السراي خزينة الكتب الذي تمدد الى شارع المتنبي ملتقى الأدباء والمثقفين ومنها الى مقهى الزهاوي في ريعان شبابه حيث عطر الشعر وزهو الكلمة ، ومقهى البلدية وحوارات الطلبة وكفاحهم لنيل العلم والمعرفة ، صور مستقرة في قلوبنا طالما فينا عرق ينبض .
في بداية خمسينيات القرن الماضي وأنا الأبن البكر في الربيع السادس من عمري ونتيجة قسوة حياة الريف وضعف فرص العمل في مدينة تحسب على ريف كركوك وخاصة بالنسبة للذين لا يملكون أرضا للزراعة ويكسبون قوتهم بجهدهم وعرق جبينهم لمعت في ذهن الوالد فكرة تجربة العمل في بغداد عسى أن يحقق فيها نجاحا سيما وان لنا فيها جذرا ، وحملنا ملابسنا وبعضا من حاجياتنا البسيطة متوجهين الى عالم واسع وكبير لا تدركه أحاسيسنا ونحن براعم صغيرة ، مدينة يشع منها نور يضيء لياليها ويحجب عنا رؤية النجوم التي أعتدنا على مصاحبتها في ليالينا في فضاءات مفتوحة مع مد البصر، لم نكن نعرف للكهرباء دور في حياتنا حتى لمسناها في أضاءة دروبنا وغرفنا وتدوير مراوحنا ، ولم نتذوق طعم الماء الصافي القادم عبر أنابيب تصل الى البيوت الا بعد أن استوطنا بين جنباتها ، ولأول مرة نرى فيها شوارع مكسوة بالقار وتسير عليها مركبات حمراء كبيرة تغص بالراكبين ويزدحم فيها البشر، والسيارات التي يتعالى منها أصوات المنبهات وهدير محركاتها وهي تجوب ممرات لا تعاني من معوقات وشرطي المرور بلباسه الأنيق وصفارته المميزة واحترام السائقين له وهو ينظم سير المركبات ، وعمارات جميلة مطلة على شوارعها مطلية بدهان بلون الربيع ، وأزقة ضيقة متشابكة تربط محلاتها بعضها ببعض بدروب عنكبوتية تطل عليها شناشيل تخرج من بيوتها تظفي عليها رونقا وجمالا ولا تكاد الشمس تصل الى ابواب منازلها ، وفي منطقة الفضل ومحلة السيد عبدالله حيث يرقد الرجل الصالح وسط الزقاق كانت محطة أقامتنا في دار جدي ، وأسوة بمعظم دور بغداد تسكن العوائل في غرف مؤجرة وتكتفي العائلة بغرفة واحدة اذ لا يتعدى موجوداتهم الملابس وفرش النوم المتواضعة ، انها حياة البراءة ولكنها مفعمة بالأمن والامان وراحة البال ، ومن الطبيعي ان تنتقل الاسرة من دار الى آخر خلال السنة الواحدة فالغرف المعروضة للإيجار كثيرة ويكفي عامل واحد ولمرة واحدة العمل على نقل موجودات العائلة من مكان الى آخر، بيوت تسكنها عدة عوائل وتتشارك في حمام واحد تتناوب عليه ، وكل أسرة أدوات طبخها البسيطة أما باب غرفتها لا تعاني من شيء فالحياة ومستلزماتها بسيطة ، فلا ثلاجات أو مجمدات لخزن الفواكه والخضروات لأن شراءها يتم يوميا وبكميات محسوبة ليوم واحد ، وليس هناك حاجة لغرف النوم والاستقبال والطعام فالإنسان لا يحتاج أكثر من الخام والطعام وسقف يحميه ، وحرارة الجو تكيف معها البغدادي ولم يلوثه بعد هوس المكيفات والمبردات لأنها لم تكن مكتشفة بعد ولم تدخل في ماكنة الحياة المعقدة ، أما سطوح المنازل فمفروشة بالحصران والتراب وأحسنها المغطى بالطابوق المحلي المسماة بالفرشي ، يتم كنسها ورشها بالماء عصر كل يوم طيلة أيام صيف بغداد الذي يمتد ستة أشهرلتخلق مناخا جميلا ليمر على سكانها النسيم العليل القادم من المناطق الزراعية التي تحيط بالعاصمة من جميع جوانبها مرورا بدجلة وهو يسير بكبرياء ، وتتوزع العوائل في منامها على ذلك السطح بوضع ستائر من القماش بين أسرة وأخرى وكأن الجميع أسرة واحدة ويخضعون الى الطاعة الكاملة للقيم والآداب العامة التي تحترم هذه العلاقة النبيلة ولا يتسلل الشك والانحراف الى سلوكيات أفرادها لا بل أن الفرد يرى بأن سكان الدربونة الواحدة تعتبر أسرته وتأخذه الحمية عندما تتعرض أحدى النساء فيها الى أي تجاوز من الآخرين فأين زماننا الحالي من هذه المنظومة الراقية من القيم فقد دنستها أيادي وافدة عبر عقود من التقهقر والانحراف الاخلاقي ، لقد كانت بغداد حاضرة العراق تنظم علاقاتها الاجتماعية قوانين وأعراف مدنية وسلوك حضاري متأثر بالتقدم الاوربي وعندما يأتي الاقطاعي أو ملاكي الاراضي أو أثرياء الريف الى بغداد فأنهم يتخلون عن أزياءهم الريفية ويرتدون زي المدينة المتحضر في محاولة للتشبث بقيم ومفاهيم وأخلاقيات المدينة بعكس ما فرضته الانظمة الديكتاتورية فيما بعد التي مسخت قيم المدينة وفرضت محلها قيم وأعراف الريف والبداوة في خطوات لاعادة التاريخ الى الوراء ، أن الذين حكموا بغداد خلال عقود عجاف لم يكونوا من أهلها أو محبيها ولم يعرفوا قيمتها وتأريخها فأهملوها ، وبدل أن يكون ولاء الفرد فيها للوطن أجبروا الناس على الولاءات الضيقة مناطقيا أو طائفيا .
عندما غرقت بغداد في أواسط الخمسينيات هب الجميع لنجدة مدينتهم التي كانت حدودها من جانب الرصافة تقف عند الخط السريع الحالي والتي كانت أيامها عبارة عن سدة ترابية تحمي الجانب الشرقي لبغداد وكنا نرى الرجال مع القوات المسلحة يحملون أكياس التراب لتعزيز السدة خوفا من انهيارها أمام غضب الامواج الزاحفة ونرى ما خلفها عبارة عن بحر من المياه تمتد مع امتداد البصر ، ورغم النفور الذي اكتسح الشارع البغدادي من النظام الملكي المكبل بالقيود البريطانية وأحلافها والتقاطعات الكثيرة بين النظام والجماهير الا أن سواعد البغداديين ظلت تدعم الدولة في مساعيها لدرء الخطر عن الناس وجنبا الى جنب صامدين في مواجهة الضرر ، لقد كانت منطقة الفضل ملاذ الكثيرين ممن قدموا من شمال العراق وكانت بيئة خصبة لنمو النشاط الوطني وفيها تعلمنا أول درس في حب الوطن ومعنى العمل السياسي والانتماء لصفوف المنظمات الممثلة للطبقات الفقيرة للمجتمع ، وفيها تفتحت عيوننا للحياة وبدأنا نلتهم الكتب وما تخزنه من وعي وقيم ، وأصبحنا نرى العالم بعيون واسعة وقلوب عامرة بحب الناس ، وثقافة المجتمع تزهر في الولاء للوطن وعاصمتها وقلبها بغداد ، ومثلما كان الخير يطفح في أحياء بغداد كانت أيضا بعض الأصابع تعمل في الخفاء ممن تسخرهم الانظمة المعادية للشعب ويحولون بعض الأحياء الى عقد للعصيان وبؤر للتخريب ومعاداة التقدم وتقف حجر عثرة امام تطلعات الجماهير تقودهم مفاهيم غير انسانية أو ايديولوجية عدوانية أو متخلفة ، ولكننا رغم الصعاب والمخاطر في مواجهة هذه التحديات سنمضي قدما لجعل بغداد أجمل ونعيد لها ألقها وعافيتها وابتسامتها وفرحتها وهذا مرهون بما يقدمه العارفون بأهميتها ودورها.

*كاتب عراقي.

مقالات ذات صلة

التعليقات مغلقة