بغداد.. نشوة الأمكنة يكسوها الإهمال السيـاسي وينحـرها الإجـرام المجـاني

علي عبد العال*

ليس من السهولة التآلف مع المكان، أي مكان في هذا الكون؛ بل إن ذلك يشّكل معضلة كبيرة للكثير من الأشخاص بشكل عفوي وفطري لا دخل لرغباتهم الذاتية فيه وإنما يتعلق الأمر بغرائزهم الروحية الداخلية العميقة. لم تكن بغداد غريبة عليّ أنا القادم من مدن الفرات الأوسط، ومن مدينة الديوانية على وجه التحديد. حيث كان لي أخوال يقطنون ببغداد منذ زمن بعيد. وهم قوم مهنيون أصحاب أعمال حرة ذات طراز خاص. أحد أخوالي السيد جواد السيد زكي الموسوي كان صاحب محال في شارع النهر لبيع وتصنيع الأحذية النسائية الفاخرة، وكان مصمما مشهورا يقلد أحذية باريس النسائية بتقنية جيدة فرضت نفسها على السوق البغدادي وفتح عدة فروع بالأعظمية والكاظمية والكرادة تحت عنوان واحد «أحذية رائد» كان ذلك في خمسينيات وستينيات وسبعينيات القرن المنصرم. مقره الرئيس في شارع النهر بالقرب من شارع البنوك. بيته كان بالعطيفية الأولى تحت جسر الصرافية مباشرة ومجاورا لبيت وزير الأوقاف آنذاك الأستاذ عبد الستار الجواري رحمه الله. وكنا نلقي التحية على الجندي الواقف تحت كابينة تتسع لفرد واحد كحارس رمزي تقع بالضبط عند الجدار الملاصق بين بيت خالي وبيت الوزير المتواضع. وأقرباء أمي من أعمامها كنا أيضا نطلق عليم عند المناداة بصفة «خالو». هم عبد الجبار البصّام الخياط الشهير الذي خاط أغلب البدلات الرسمية للوزراء العراقيين في العهد الملكي وفي عهد الزعيم عبد الكريم قاسم وحتى بالعهد البعثي الجديد بالجمهورية الثالثة. ويقع معمل خياطته بالقيصرية المحاذية لمدخل شارع المتنبي حاليا من مدخل شارع الرشيد وتؤدي نهايته الضيقة إلى جسر الشهداء حيث نركب من هناك إلى الكاظمية حيث يقع بيتهم. بيت خالي عبد الجبار البّصام بالكاظمية في محلة الدباغخانة، التي لا تبعد عن ضريح الكاظمين سوى بضع عشرات من الأمتار والتي تؤدي في نهايتها إلى شارع المحيط الذي يحاذي نهر دجلة العظيم وهو يمر بهذه المناطق الرائعة فيزيدها جمالا ويترع سكانها بالفخر والجمال والخيلاء والرقة والطيب والحنان والشجاعة والفروسية المنقطعة النظير.
لذا وعند دراستي الجامعية ببغداد لم أكن أشعر بالغربة والوحشة بهذه المدينة الكبيرة التي هي العاصمة وأنا الشاب القادم من الجنوب. بل على العكس من ذلك، كنت أشعر بالراحة والانطلاق في حيّز أكبر من حيّز مدينتي الصغيرة التي أحبها هي الأخرى كما احب أهلي وأصدقائي ومراتع الطفولة. كانت بغداد مدينة عظيمة بجميع المقاييس الهندسية والجمالية التي نعرفها اليوم. بغداد مدينة حضارية بشكل واقعي وجمالي فريد. زودها الفنانون العراقيون الأفذاذ بنصب وتماثيل ومعالم تراثية رائعة تدخل بتاريخ المدن العظيمة من أوسع الأبواب. فمن نصب الحرية العملاق الذي أبدعه أعظم فنان عراقي المبدع الكبير جواد سليم، الذي صار معلما وعنوانا حضاريا جديد لبغداد، بل وللعراق كله، إلى نصب الملك شهريار ورائدة المرأة في كل العصور شهرزاد التي ذادت عن حقوق المرأة منذ تلك الأزمان السحيقة. إلى نصب أبو نؤاس في الشارع الشهير الذي سُمي باسم هذا الشاعر المبدع الكبير، تلك الأعمال والتماثيل والصروح الفنية العظيمة لم تستطع حكومة دكتاتورية مهما بلغت من الهمجية والتخلف تدميرها، يأتي اليوم شراذم من المتأسلمين الجهلة الذين لا شغل ولا شاغل لهم سوى التفكير بتدمير هذه الصروح الفنية العظيمة. هذا هو الجهل الذي يذبح بغداد اليوم، أما الإهمال فله أكبر اللعنات بسبب هجوم ساسة الأرياف الجهلة على الحاضرة الكبرى بغداد العظيمة ومحو هويتها العالمية بأساليب قروية وبدوية طائفية قبيحة ومقيتة.

بغداد أجمل المدن وأعمق الجروح
ما كنت أظن، عندما تشترك ذاكرة الطفولة بالحنين، أن هناك مدينة في العالم أجمل من بغداد. كانت الذاكرة العفوية تقارن جميع الموجودات وجميع المشاهدات وجميع النكهات وجميع التأملات الجميلة ووضعها بالمقارنة ببغداد وكانت بغداد الحبيبة تنتصر دوما كأجمل ذكرى وأحن موطن وأروع مكان في العالم.
للمدن، جميع المدن روائح معينة؛ من الصعب التعرف عليها بزيارة خاطفة؛ بيد ان رائحة المدن الخاصة تفيض للشخص الذي يحبها ويألفها، ربما إلى حد العشق أحيانا. المدن كالنساء. لا توجد مدينة قبيحة على الإطلاق، بل توجد مدن جميلة دافئة الأحضان بغض النظر عن مقدار جمالها الظاهري. المدن العظيمة كما النساء الرائعات تفتح أبوابها وأذرعها الطرية وأفخاذها القوية كالأرصفة المتينة للزائرين الغرباء، وأحيانا للحمقى والأغبياء، والأغنياء بطبيعة الحال. عظمة المدن الحضارية أنها تتسع للجميع وتتقبل الجميع من البشر.
من زاوية معينة عرفت بغداد بعد هذا الخراب الشامل. يوجد اصدقاء أوفياء أرادوا توفير رؤية لبغداد المجهولة خلف الستائر، بيد اني فضلت رؤيتها من غير وشاح.

الواقع الأليم والأمل الدائم
لكن بغداد ليست هي بغداد يا علي. إنها عبارة عن حطام حقيقي يا علي، هذه زيارتك الثالثة لها ولازلت تراها كما لو أنك تراها وأنت شاب مراهق يعشق حبيبته الأولى، أو مثلما ترى أمك وهي مقعدة ومحطمة على الفراش الحصير؟
هل رأيت في مشوارك الطويل في المنافي كل هذا الكم من الزبائل والشحاذين في قلب مدينة رائعة لها الريادة منذ عصور قديمة في التاريخ كبغداد؟ طبعا ستقول «زبالة بغداد أشرف من كل حدائق العالم». هذا كذب يا علي؛ وأي كذب؟ انت تخدع نفسك أولا، ومن ثم تخدع الآخرين من السذج من أمثالك الحالمين الشاعريين. بغداد التي هربت منها قبل أكثر من ثلاثين عاما كانت أجمل وكانت أروع من هذه البغداد المشوهة الآن والتي تقوم فيها دولة جديدة تعجز عن التعمير وتعجز عن التعبير وتعجز عن التبرير، ثم تعجز بسهولة عن سد منافذ الخراب اليومي الذي يلحق بالمدينة، وأي مدينة؟ إنها بغداد عاصمة كل العواصم في الشرق وأبهاها.

أوجاع بغداد .. الناس
والأمكنة الأليفة
المدن؛ جميع المدن في العالم هي أماكن للمقبلين وللراحلين. للمولدين الجدد وللموتى الراحلين. الراسخون هم الموتى، المقبلون هم الأولاد، صبيان وبنات. القبور هي الدليل الأكيد على السكان الأصليين للمدن. من أين لنا قبور في بغداد، أو في عموم العراق، ونحن تركناه في مقتبل الأعمار؟ حتى بغداد غادرناها ولم نزرع فيها الكثير من الزهور بل المزيد من القبور لشهداء مجهولين ولضحايا سياسيين ضائعين ورجال علم من الأبرار، يا ويلتاه كم دفعنا من أثمان على طريق النضال في سبيل بغداد وفي سبيل العراق. ذات المعنى الموجع والأكثر إيلاما يحدث اليوم بطرق أبشع وأكثر ترويعا من الماضي القريب. كنا فتيانا، لكن ماذا عن الشيوخ الكبار؟ قبر الجواهري مثلا وهادي العلوي وعبد الوهاب البياتي. قبر جواد سليم وقبر عبد الكريم قاسم، قبر غائب طعمة فرمان وقبر زينب. تلك هي مشاوير الألم، أما مشاوير الفرح فبغداد تخبئ تحت عباءتها السوداء الكالحة بعض الملذات الطيبة كعادتها أيام هارون الرشيد.
تنفتح بغداد على نفسها بسرعة خاطفة مثل وردة القداح؛ وسرعان ما تلم نفسها على بعضها مثل وردة عباد الشمس. مثل أي كائن مذعور يخاف النور الساطع أو طفل تائه يخاف الظلام، ومن ثم تستطع كالشمس في سماء الكون وبهاء المدن.
المدينة الكبيرة، الهائلة بالكبر، تخفي نفسها تحت بيارق كثيرة توازي عدد الناس، حتى تكاد تظن أن لكل حارة بيرقها الخاص، ولكل زقاق بيرقه الخاص، بل لكل فرد بيرقه الخاص. فكل واحد يكاد يصرخ بوجهك ليقول لك: أنا بغداد. بيارق مجهولة لجيوش الخوف، بيارق شرعية للخيرين وبيارق ممنوعة. هنالك أيضا بيارق الصعاليك وقطاع الطرق وشذّاذ الآفاق. وهناك رجال الشرطة الذين لهم بيارقهم أيضا، رجالٌ ملثمون، مدججون، بيارقهم ترحب بك وتأمرك بتهذيب غريب اللهجة: (أحترمْ تُحترم). حراسٌ كالمصلوبين المجهولين على قارعة الشوارع، يقدمون لك جرعة شحيحة من الأمان مقابل وجبة كبيرة من الانتظار المتخم بالهواء الحار والغبار المالح. في ذلك الحر والجو المغبر المعفر برذاذ النقمة السماوية عندما تتحفنا بها صحراء المملكة العربية السعودية، كأننا أطفال «المدينة» السماويين، المدينة التي كانت يثرب من قبل، التي ظلت تطاردها الأحقاد البدوية اللئيمة لتطهر رسالتها السماوية بالدماء البريئة.
شرايين بغداد مسدودة؛ مجاري المياه مسدودة. بنيتها التحتية مخربة ومهدمة بحيث لا يمكن أن ترتقي فوقها مدينة حديثة وفق أبسط الشروط المعمارية والهندسية الحديثة. ركام المباني القديمة والشوارع الرئيسة المخربة والمهدمة صار عبئا كبيرا على كاهل المدينة وعلى كاهل المسؤولين عن صيانتها. يجب علينا التفكير جديا ببناء عاصمة جديدة نطلق عليها «العاصمة الجديدة» أو «نيو بغداد» على غرار «نيو دلهي» أو «نيو مكسيكو» أو «نيو يورك».

شارع الرشيد
شارع الرشيد، وكما يعلم العراقيون وغير العراقيين، هو الشريان الأبهر للعاصمة بغداد. هذا الشريان الرئيسي معطوب الآن تماما. غابت ملامحه الجميلة السابقة. بل غابت أهميته الحضارية والتاريخية عن الوجود. تحول هذا الشارع الذي كان العنوان التجاري لكبرى الشركات العالمية، والذي يضم اليوم أهم مؤسسة مالية عراقية ودولية هو بنك الرافدين الذي تحميه القوات الأمريكية والعراقية أكثر مما تحمي الدجاجة بيضها الذهبي، تحول إلى سوق لبيع الخضار والسمك المتفسخ والطرشي المخلل على قارعة الطريق. ومن ثم إلى موقف بشع للحافلات الرخيصة القديمة التي تنقل الناس من وإلى قلب العاصمة. فوضى شاملة وخراب يعّم هذا الشارع من بدايته عند باب الباب المعظم مرورا بساحة الميدان حتى ساحة الأمين التي يحتلها تمثال الشاعر الكبير معروف الرصافي والتي تواجه جسر الشهداء، حتى المركز التجاري المعروف «الشورجة» وهو أكبر سوق لبيع الجملة، وليس كما هو الآن عبارة عن فوضى كبيرة من الناس والحيوانات كالحمير والبغال والأحصنة الهرمة والحمالين الذين يبيعون جهدهم العضلي بأبخس الأثمان وهم ينافسون الحيوانات التي تقوم بمثل هذه الأدوار في العالم القديم». تحل المكائن محل الحيوانات في أغلب مدن العالم في العصر الراهن، فما بالك بالبشر؟ حتى لا يختلف المشهد كثيرا عند النظر إلى الصور البدائية بالأبيض والأسود لبغداد في بدايات القرن العشرين تجعل المرء لا يفرق كثيرا بين بغداد اليوم وبغداد قبل مئة عام. البشر ينجزون أعمال الحيوان. والحيوان يجب أن يُعفى من هذه المهام المهينة لكي تحل الآلة محلهما. البشر والحيوانات ذات الحمولة يمخرون عباب هذا الشارع المزدحم بالبشر، الذي كان زاهيا قبل بضعة عقود بالسيارات الفارهة والعربات الأنيقة في التجوال في هذا الشارع الذي يُعد مفخرة بغداد التي كنا نعرفها قبل أكثر من ثلاثة عقود.
تنزل في «باب المعظم» وهو يحتل المركز الهام من بغداد من ناحية مركزه القديم الذي يؤدي إلى وزارة الدفاع حيث دارت أهم الأحداث السياسية الكبرى في العراق. ومن ناحية أخرى هو بوابة الدخول إلى قلب العاصمة وعبر شريانها الأبهر شارع الرشيد. بين المسافة القصيرة بين ساحة باب المعظم وساحة الميدان، تلك الساحة التي لا تقل أهمية عن باب المعظم والتي تبعد فقط مسافة محطة واحدة للباص الذي اختفي حاليا، ترى أغرب مشاهد انحطاط بغداد في العصر الحديث. في مسافة لا تتعدى المئتين متر بين باب المعظم وساحة الميدان يمكن أن ترى ركام الزمان وضحالته وانحطاطه. يقول «آينشتاين» أن الوقت لا يبقى. الوقت لا يبقى حقا، الوقت يمضي ويموت. الذي يبقى هو البشر والحيوان والنبات على الأرض، وعندما يهرم الوقت تهرم جميع الأعمار. في إطار هذا المنظور فإن بغداد مدينة هرمة، مدينة فقدت بريقها القديم وسحرها الغامض المفتوح على أبواب الخيال.
منطقة «الحيدرخانة» االتاريخية حيث تستقر بألفة وحنان مأذنة جامع الحيدرخانة الشهير بأدواره السياسية الكبرى التي غيرت وجه العراق في أهم أحداث القرن العشرين السياسية. هناك حيث يقابله مقهى «حسن عجمي» الذي بقي على حاله من غير ترميم وغير اهتمام، كقرينه «مقهى الزهاوي» الذي يحتل أحد أركان الشارع والاثنان يتقاسمان النسيان والإهمال والجحود كما لو فقدنا احترامنا لوجودنا وقيمنا وأشيائنا الحميمة. مقهى حسن عجمي هو العلامة البارزة على هذا الجحود البشري الغريب. مكان مظلم وعتيق كلوحة معتمة في فيلم مرعب. مثل ركن في متحف للشمع يؤرخ موت الزمن في العاصمة بغداد. بعد خطوات قليلة يقودك المشي إلى شارع المتنبي الذي يفتح أمام وجهك بعض الأمل من خلال الوجوه الثقافية الهادئة والحالمة والنشاطات الثقافية التي يقيمها الشباب الجديد والمتجدد من العراقيين الرائعين.

الشعور بالغربة داخل البيت الأليف
إنها مشاعر خاصة لربما؛ لكن ماذا تقول عن إنسان تداهمه الوحشة والشعور بالغربة في قلب مدنه وأراضيه؟ قال الشاعر الألماني العظيم هولدرلين عندما عاد إلى دياره من بلاد الإغريق بعد فترة أربع سنوات قضاها في دراسة الفلسفة الإغريقية:
«عدتُ إلى أهلي وأنا غريبٌ بينهم».
وشائج الأمكنة بينها وبين الأفراد تخضع لعمليات نفسية معقدة جدا، بل هي غاية بالعقيد الروحي والجواني العميق. لا يصبح المكان جزءا منك إلا عندما تنفصل عنه وينتابك الشعور الداهم الحقيقي أن شيئا ما تم اقتلاعه من حواشيك ومن جسد ومن تكوينك ومن مخيلتك الثابتة بالذاكرة. عندما يتم خلعك من المكان الذي تحبه كأنما يتم خلع أحد أضلاعك فتمسي معلولا ومريضا بشكل أو بآخر. سوف تمسي إنسانا مختلا ومريضا من غير سبب عضوي. صرف مني الزمن ثمانية اعوام في دمشق لحين اعتبرتها «مدينتي ومكاني» وصرفت من العمر قرابة الستة أعوام في المملكة المغربية وأنجبت فيها طفلي الأول، ولم أحب المكان أو حتى مجرد التآلف معه بالأكل والشرب والعلاقات العامة. وصرفتُ من عمري ربع قرن من الزمان في أوروبا، وبالتحديد بالسويد البلد العظيم، ولم اشعر للحظة صغيرة واحدة أنني أنتمي لهذا المكان على الرغم من محبتي واحترامي وتقديسه له كمكان نظيف يمنحني الكرامة بدون مقابل. حب المكان يشبه كثيرا حب المرأة الحبيبة والعاشقة، إذا تفقده فأنت تفقد شيئا ثمينا. هكذا يحدث الأمر وتلك المشـــاعر مــع بغداد دوما. لا يمكن تعويض المـاضي الجميل بالحـاضر البخيــل.

الثقافة الأصيلة هي المنقذ
لبغداد المستقبل
ليست بغداد اليوم عاصمة ثقافية منتجة؛ هذا الوضع مؤسف بحد ذاته. فبعد أن كانت بغداد قبلة الثقافة العربية تحولت بفعل جهل الأنظمة الشمولية إلى ساحة تكاد أن تكون خاوية في الميزان الثقافي الحقيقي الذي تُقاس بثقله كمية ونوعية المنتج الحضاري على كافة الصعد الجمالية والإبداعية من موسيقى وفن تشكيلي وفنون مسرحية وحركة سينمائية، هذا فضلا عن الشعر والقصة والرواية والنقد الفني. بغداد تقف الآن في خلف المشهد الثقافي العام الذي تحكم قوانينه الدول المجاورة عربية وغير عربية. لأسباب معروفة تتقدم على المشهد الثقافي العراقي دول الجوار بحكم الظروف السياسية المستقرة فيها. سوريا والأردن والكويت والسعودية وتركيا وإيران أنتجت أعمالا تلفزيونية وسينمائية وتشكيلية وموسيقية تفوق بكثير مما أنتجه العراق في المرحلة ذاتها. لنا وضعنا الخاص، لكن، وعلى الرغم من قلة الأعمال العراقية المنتجة كان نوعها وقيمتها الفنية تضاهي ما يُنتج في هذا المحيط. قيمة الفن العراقي بمختلف أشكاله وأنواعه تكمن بعدم سوقيته، اي بعدم خضوعه لمبدأ الربح والخسارة على وفق المفهوم التجاري. تلك أيضا هي مشكلة تجارية تعرقل تطور الفنون في العراق. لا يوجد منتج يجازف بأمواله من أجل طرح أفكار أخلاقية تدعي الشرف وحب الوطن؟ بالمقابل تقف الدولة عاجزة عن سد الهوة بين نظام شمولي كان يغدق الأموال الطائلة على تسويق وجوده السياسي بشتى السبل، وبين دولة جديد لا تؤمن بهذا المبدأ، بل هو ممنوع حسب الدستور.
هذا المشهد العام الذي وجدت نفسي فيه من الناحية النظرية على اقل تقدير، تبقى الناحية الشخصية فمذاق بغداد الثقافي له نكهته الخاصة حتى لو كنا نجلس على رصيف مجهول في شوارع بغداد العتيقة.

خلع الضلع من الجسد
لا يشعر المرء بقيمة المكان إلا عندما يُنتزع منه قسرا؛ لم يتعود البشر على فكرة نزعهم من المكان الأول. حتى الحيوانات ترفض هذا المبدأ التعسفي البغيض. الناس تريد العيش بأوطانها وبأراضيها وتحت سمائها وتحت ظلال اشجارها وتحت سقوف بيوتها الواهية. لا أكثر من ذلك ولا أقل. بغداد أكثر المدن بالعالم عذابا. فقد تآمر عليها الأوغاد من المحبين والحاسدين والمتخلفين من أبناء الأرياف البعيدة والبدو الجدد وصارت ملاذا للمجرمين والقتلة والسياسيين الفاسدين، وبدل إعمارها صار التهديم الوحشي الخبيث عنوانا للانتقام من هذه الحاضرة المدنية التاريخية على مر العصور والأزمان.
متى تشعر بالألم على بغداد؟ ذلك عندما تشعر بأن ضلعا من أضلاعك تهشم وتكسر بالقرب من قلبك النابض وأنت على قيد الحياة.

*من اسرة الصباح الجديد

مقالات ذات صلة

التعليقات مغلقة