شارع الرشيد .. سلاماً

القاص الراحل موسى كريدي

ماض من الالفة ماثل ، كائن فيك ، تحمله معك كلما دنت ظلالك من بغداد ، فبغداد كانت منذ عقدين او اكثر عبارة عن شارع الرشيد ، تعرف به ولاتحضر دونه بكونها حاضرة ، بغداد العاصمة ، عاصمتها شارع الرشيد ، ليس ممكنا ، اذا ، سفر بغداد نحو اقاليم الروح دون شارع الرشيد لم كان هذا ؟ وكيف ؟ ماالذي يقوله التاريخ، بل لنقل ماالذي ينطق به المكان ؟ انه الشارع فيما يرى الرائي الان وبعد الان ، يستميلك اذ تخطو او تدرج على بلاطاته او اسفلته الكابي فلا تجد بدا من الطرق او الطواف في رواقه الطويل لتقرأ ، على مدى النظر ، مامر وما انطبع هنا او هناك من سورة حب او شىء من انتفاضة شعب ، ماشهدتها اربعينات القرن وشهدتها خمسيناته ايضا ، وبقدر ماتستغور ذلك وتتامله بعين خيالك يتسع الشارع فيه بهجة تخط اقواسها في عينيك ، واية شمس تتشيث بجناحيها ساعة تلتقيه في سمائه الشتوية ، وفي سماوات صيفية حيث هداة الصباحات تمس منك الخطى والجفون ، فينهض فيك الحلم الصبي وتتعالى من حولك الاصوات ، صوت بائع اللبلبي بنجانته وبائع الزعرور على الرصيف وصوت بائع العرقسوس بمضخته الرابضة على جنبه على مبعدة امتار من صفيح معدني مكتظ بالكستناء ، تتصاعد اليك شهية رائحة الفستق المشوي ، واذ تمضي يستوقفك الشارع بمتعرجاته ولفتاته وفروعه الجانبية نحو دجلة ، تهجس فيك هاجس الغريب على الرغم من شعورك ان لك ظلا وسط حافاته او افيائه او اعمدته الخرسانية او ازقته المعباة برائحة الخبز والجمار والمطر والشاي والتبغ والنعناع ، تلقي بظلك حينا على خيط من خيوط شعر البنات وحينا تزاحم هيكلا من بيض اللقلق لم ينفرط بعد في راحتيك ، فهلا وقفت معي ياصديقي معي لحظة تضم صوتك الى صوتي الداعي الى تحرير شارع الرشيد من قبضة الطارىء البليد ؟ ابواق السيارات وزعيق الحافلات ، وضجيج العربات ، وتخليصه من الطمى ومن غاز ثاني اوكسيد الكاربون وتنظيفه واغتساله باصوات العصافير وايقاع المطر وجعله منتجعا للمشاة فقط ،، ومرتعا للدفءورواقا للصور ومتحفا للفن ومعرضا للكتب وبهوا اخضرا للسائح والمقيم لاياخذ سوى حيز صغير من قلب بغداد الكبير ؟

مقالات ذات صلة

التعليقات مغلقة