البداية الحقيقية

اعداد فخري الزبيدي*

كان لبغداد في سابق عهد حضارتها ، شوارع فسيحة وجادات واسعة منتظمة ، وكان عرض احد شوارعها 40 ذراعا ، ويرتقي عهد فكرة فتح جادة واسعة تخترق بغداد من اولها الى اخرها ، الى اوائل القرن التاسع عشر الميلادي ، فاول من حاول فتحها هو سليمان باشا الكبير والي بغداد عام 1780 غير ان المنية عاجلته ، ولما تقلد زمام الولاية داود باشا الكرجي 1816 استعان بمجموعة من مهندسي الانكليز الذين وافوا العراق لمساحة ارضه ، خصصوا مصورا لهذا الغرض واجراء اللازم ، غير ان وباء 1830 اثناه عن عزمه ، في العام 1868 لما عين مدحت باشا واليا على بغداد ، جدد فكرة خرق جادة واسعة لبغداد ، فرسم له المهندسون بضعة رسوم فاختار احداها وهو الذي يمر بين شارع كنيسة اللاتين والسريان ، ولم يتم ذلك ، اذ دعاه على اثر ذلك السلطان عبدالعزيز وقلده زمام الوزارة ، وبعد اعلان الدستور في الدولة العثمانية اقيم واليا على بغداد حسين ناظم باشا 1910 ، واول اصلاح له هو محاولة فتح جادة ، احضر مهندسي الولاية لهذه الغاية واطلعهم على بغيته فقدموا له رسم مدحت باشا فالفه مناسبا اكثر من غيره ، اذ لايهدم جامعا ولاكنيسة ، اجرى بعض التعديل واصلاح المعوج من الجادة المراد خرقها وامر بتقدير الدور والحوانيت التي يجب ان تتهدم ، فقدرت ب 200000 ليرة عثمانية ، بيد ان عزله الفجائي ومغادرته الحاضرة جعل فتح الجادة في خبر كان ،، خلفه جمال باشا السفاح 1911 الذي طيب خواطر العراقين بانه سيتم ماشرع فيه سلفه من الامور والاعمال ، ثم اغض الطرف عن جميعها وقال لمن عرض عليه امر فتح الجادة ( ان بغداد لاتصلح وتنظم على الطراز الحديث مالم تقوض اركانها باسرها ) ، في سنة 1915 تعين سليمان بك نظيف واليا على بغداد وسعى كل السعي في فتح الجادة كما فعل في الموصل ، غير ان غرق بغداد في تلك السنة اقعده عما كان يدور في خلده ، وقد فاتح مرارا عديدة نورالدين بك القائد العام لجيوش العراق ، فلم يسمح له بذلك وقد قال له ، ( ان هدم جانب عظيم من دور البغدادين في خرق جادة ، وسقوط مئات الدور في اطراف المدينة ، فالماء المحدق بها يجعلها عرضة للغرق ويزيد الطين بله ) ، ثم عزل المشار اليه لنفور وقع بينه وبين قواد الجيش فغادر بغداد وقد اخفق في مسعاه كما اخفق الولاة السابقون ، ولما وافى درغولج باشا الالماني كقائد للجيوش العراقية ، وتفقد ربوع وادي السلام وجد شوارعها ضيقة لاتفي حاجات نقل المهمات العسكرية ، فتفاوض اذ ذاك مع رئيس البلدية محمد رؤوف افندي الجادرجي ، وبعد ان اتفقا احضرا مهندسي بغداد الملكيين والعسكرين وكان بينهم ( فوجيل وشكاتيس ) وبكر بك قائد المدينة واخرون ، امروا بوضع رسم جديد ، وبعد ان اتموا الرسم شرعوا بفتح الجادة من الباب الشرقي اولا ، هدموا جدران القنصلية الانكليزية وخرقوا منفذين من الجانبين ، كان ذلك نهار الاثنين 20 آذار 1916 ، في ذلك اليوم شرع الفعلة يهدمون سوق باب الاغا حيث دور رئيس البلدية ، الغاية من ذلك حتى تطل على الجادة ، غير ان هذا الخرق كان سبب اعوجاج الشارع الجديد واصبح اصحاب الدور يرشون طائفة من المهندسين لكي يزوروا المصور ويحولوا الهدم عنها ، وقد قالها علانية بكر بك لاحد وجهاء الموصل بعد احتلال بغداد ( اني احد الذين عهد الى امر تسوية الجادة ، غير اني كثيرا ما حرفت الخرق في بعض الدور وشوهت استقامتها لرجاء او هدية قارورة عرق لانني مدمن خمر ولا استطيع ان انفك عن ذلك طرفة عين ) ، فهم الوجيه الموصلي كلامه واحضر له مقدارا كافيا من المسكر تخلصا منه لئلا يناله مكرها ، ثم انه بواسطة شكايات بعض المتنفذين اوقف الهدم بجانب جامع السيد سلطان علي لانه بازائه كان قائما مزار لاحد ائمة المسلمين ولا يجوز هدمه شرعا لئلا يطىء مرقده احد ، واتفق في تلك الاثناء موت فوندر غولتز باشا ، وكاد ان يقضي على فتح الجادة ، غير ان رئيس البلدية اسماها خليل باشا ، وكان الاولى ان تسمى باسم فاتحها الاول وذلك عن حكمة ، اذ صادف سقوط كوت الامارة ورجوع خليل باشا الى بغداد منصورا ، وقد اقام مدير البلدية في راس الجادة عامودا عليه لوح مكتوب فيه ( خليل باشا جادة سي ) فلما مر من هناك وراى ذلك سر سرورا عظيما واستصوب الفتح فامر ان يستانف العمل من جديد فشرع الفعلة بالهدم نهار الخميس 11 ايار 1916 ، وفي نهار السبت 13 ايار هدمت قبة الامام بازاء الجامع واقيم عليها سياجا من الخشب ، وفي الساعة التاسعة صباحا من نهار الاحد الواقع 20 اب من تلك السنة جرى مراسيم فتح الجادة وكان يوما مشهودا ، وقد نقش اسم خليل باشا على قاعدة منارة السيد سلطان علي في يوم الخميس الواقع 19 تشرين الاول ، استمر هدم البيوت والحوانيت نحو سنة وتم خرق الجادة من اول المدينة الى اخرها في اذار سنة 1917 اى بعد الاحتلال الانكليزي ببضعة ايام ، وفي سنة 1920 ، ارادت الحكومة المحلية ان توسع الجادة الحالية الى ثلاثين مترا لتسوية اعوجاجها ، وقد اخذ المهندسون يتفاوضون في اى جانب من الجادة يجب هدمه لانه في سبيلهم عقبتان ، ان هدموا الجانب الواقع الى طرف النهر يشخص امامهم جامع السيد سلطان علي فضلا عن عمران تلك الجبهة ، وان هدموا الجانب الذي بازاءه وهو اقل عمرانا فيعرقل سبيلهم جامع مرجان دون بلوغ الابنية ، صعب الامر وتوقف كل شىء الى يومنا هذا.

*المصدر: بغداد من 1900-1934.

مقالات ذات صلة

التعليقات مغلقة