البيرقدار: السلطة القضائية لا تتأثر بالخلافات السياسية.. وتنأى بنفسها عن مخاصمة أي شخص

المتحدث بأسم مجلس القضاء الاعلى في حوار مع «الصباح الجديد«
حاوره ـ مشرق الاسدي:

بعد تغيير النظام السياسي عام (2003)، رأت الإدارة المؤقتة لقوات التحالف آنذاك، ان استقلال القضاء عامل مهم في حفظ أمن المجتمع وضمانة من ضمانات الديمقراطية في العراق. فصدر الأمر رقم (35) في 18/9/2003 بإعادة تأسيس (مجلس القضاء).
وللحديث عن عمل القضاء العراقي عقب التأريخ المذكور، وما حققه من مكاسب وخطط مستقبلية يتطلع لتحقيقها، كان لـ»الصباح الجديد» حوار موسع مع المتحدث باسم مجلس القضاء الأعلى القاضي عبد الستار اليبرقدارالذي استهل حديثه بالقول :

– اختياري لهذا المنصب كان من قبل السلطة القضائية المسؤولة عن هذه الوظيفة، فبعد تعييني كقاض عام 2007، فوجئت بصدور أمر تنسيبي الى العمل في رئاسة مجلس القضاء الأعلى، كمشرف في الدائرة القانونية والمكتب الإعلامي.
و لم يكن هناك مركز إعلامي للسلطة القضائية، بل مكتب إعلامي يتكون من موظفين اثنين إداريين؛ ليسا من أصحاب الاختصاص في الإعلام.
وبدأنا في تطوير هذا المكتب وتحويله الى مركز إعلامي للسلطة القضائية التي تشمل شقين؛ المحكمة الاتحادية العليا ومجلس القضاء الأعلى، إضافة الى تطوير الموقع الألكتروني (..) وقمنا بتعيين مجموعة من الصحفيين الذين يمتلكون الكفاءة والرغبة بالعمل ،وتم إدخالهم في دورات إعلامية،حتى أصبح لدينا مركزاعلامي متكامل من مصورين ومحررين ومشرفين ومصممين، ونسعى أن يكون الموقع الإلكتروني للسلطة القضائية وكالة أنباء متخصصة بالقضاء، تتناول قضايا الرأي العام والأخبار المتعلقة بالسلطة القضائية، ونشر الثقافة القانونية.

كيف تتعاملون مع شكاوى المواطنين المقدمة عبر الموقع الإلكتروني؟

في المركز الإعلامي لدينا فريق رصد مختص بمتابعة جميع وسائل الإعلام، ، إذ يُقدم الفريق تقريراً يومياً عن الأخبار التي تتعلق بالسلطة القضائية سواء كانت شكاوى أو نقداً، لي شخصياً ليتم عرضه بعد ذلك على رئيس السلطة القضائية، وفي حال وجود شكاوى، تأخذ طريقها في التحقيق والمتابعة ومفاتحة الجهات المشار إليها في الشكوى. والكثير من هذه الشكاوى والمقالات التي ينتقد كتابها نقداً بناءً تم الأخذ بها، ناهيك عن أن الكثير من القرارات اتخذت بسبب ما كتبه بعض الصحفيين
وفي بعض الأحيان تردنا رسائل ليست من السلطة القضائية، ومع ذلك نعطيها الاهتمام الكافي. وهنا أود أن أشير الى وجود تعاون كبير بين السلطة القضائية والمواطنين ووسائل الإعلام.

كيف تم اختيار أعضاء المحكمة الإتحادية؟

– المحكمة الاتحادية العليا تتكون من رئيس وثمانية أعضاء، يعملون وفقاً للقانون رقم (35) لسنة (2003)، إذ تم اختيارهم بترشيح من قبل القضاة في مجلس القضاء الأعلى؛ باقتراع سري. ومن بين عدد كبيرمن المتقدمين تم ترشيح (27) قاضياً،بواقع ثلاثة قضاة للمنصب الواحد، ورفعت أسماؤهم لرئاسة الجمهورية التي اختارت تسعة قضاة من بينهم الرئيس، وصدر مرسوم جمهوري بهم.
أعضاء المحكمة الاتحادية من كبار القضاة في البلاد، ويتمتعون بالكفاءة والمهنية .

هل هناك فترة زمنية لانتهاء عمل أعضاء المحكمة الاتحادية، وترشيح آخرين، مثلما هو الحال في الحكومة والبرلمان؟

– القانون الحالي للمحكمة الاتحادية العليا لم يحدد فترة زمنية لأعضاء ورئيس المحكمة، وهذا الأمر معمول به في كثير من دول العالم مثل الولايات المتحدة الأميركية وبريطانيا، إذ يستبدل عضو المحكمة أو الرئيس متى ما طلب شخصياً إحالته الى التقاعد أو في حالة الوفاة. وهذا الإجراء يأتي لتحصين المناصب.

كيف ترى الاتهامات للقضاء العراقي بأنه مسيس أو تابع لجهة سياسية معينة تؤثر على قراراته؟

– عندما سئل القاضي شريح، (قالوا له كيف أصبحت؟.. قال: أصبحت ونصف الناس أعداء لي). عمل القاضي هو الفصل بين طرفين، وبكل تأكيد فإن الطرف الذي يخسر الدعوة أو القضية سيتهم القاضي، ويصل الأمر في بعض الأحيان الى القذف والشتم.
هذا الأمر لا يوجد في العراق فقط، بل في جميع بلدان العالم، إلا في حال أن يكون الشخص الذي يخسر الدعوى بدرجة عالية من الثقافة والوعي.

هل اتخذتهم إجراءً قضائياً بحق جهة أو شخصية سياسية تجاوزت على القضاء؟

– القضاء وكما أشرت، يحكم لطرف على حساب الطرف الآخر وفقاً للقانون والدستور، والانتقادات بالتأكيد ستكون موجودة من الطرف الخاسر، لكن القضاء ينأى بنفسه أن يكون خصماً لأحد، على الرغم من أن في بعض الأحيان يصل الأمر الى القذف والشتم كما ذكرت.
لكن لم يحصل لرئيس السلطة القضائية أو جهات تابعة للسلطة القضائية أن تقيم شكوى للسبب المذكور، على الرغم من أنه حق، حفاظاً على هيبة القضاء وسمو العمل القضائي.
من جهة أخرى يمكن للقاضي كـ»شخص» اللجوء الى القضاء في حال تعرض للاتهام. وهناك الكثير من القضاة تم التجاوز عليهم فلجأوا الى القضاء بشكل قانوني، وتوجد العديد من الدعاوى المرفوعة من قبل قضاة، فهم بالتالي مواطنون ومن حق أي مواطن أن يلجأ الى القضاء.

هناك تصريحات لنواب كشفت عن وجود أوامر قضائية بحق أعضاء في مجلس النواب لتهم مختلفة منها تتعلق بالإرهاب. ما هو دوركم في هذا الأمر؟

– في الدورة البرلمانية الماضية كان هناك أعضاء بمجلس النواب عليهم قضايا مختلفة، لكن أعدادهم بالتحديد لست متأكداً منها، بكون أن منهم من رفعت عنه الحصانة وأصبح مواطناً اعتيادياً ومنهم من بقي في الدورة البرلمانية الحالية وما يزال يتمتع بالحصانة، والقضايا المتهم بها ما تزال مفتوحة، لكن البت بها يحتاج الى موافقة السلطة التشريعية برفع الحصانة عن النائب وفي حال حدوث ذلك سيصبح متهماً وتُفعل آنذاك مذكرات إلقاء القبض ويتم التحقيق معه، وقد يُطلق سراحه ويُفرج عنه أو يُحاكم بحسب التهمة الموجهة إليه وظروف القضية.

هل فُعلت الأوامر القضائية بحق النواب الذين رُفعت عنهم الحصانة، أي من الذين لم يشاركوا بالدورة البرلمانية الحالية؟

– نعم تم تفعيل العديد من مذكرات القبض، وهناك نائب سابق متهم بقضية ما أتى الى القضاء وقدم نفسه بعد أن رُفعت عنه الحصانة واتُخذت الإجراءات القانونية بهذا الشأن.

الخلافات السياسية بين السلطتين التنفيذية والتشريعية، هل ألقت بظلالها السلبية على عملكم كسلطة قضائية؟

– هناك مبدأ دستوري ينص على الفصل بين السلطات، والسلطة القضائية تعدّ السلطة الثالثة في الدولة ومستقلة عن بقية السلطات. وكلمة مستقلة لا تعني بان كلاً من هذه السلطات تعمل بمعزل عن الجهات الأخرى، على الرغم من وجود استقلالية في العمل والتخصص، لكن هذا لا يمنع أن يكون هناك تعاون بين هذه السلطات لبناء البلد.
السلطة القضائية غير معنية بموضوعات تشكيل الحكومة والأمور السياسية الأخرى، بقدر تعلق الأمر بسياسة العمل القضائي، لكن في بعض الأحيان تنشأ نزاعات بين السلطتين التنفيذية والتشريعية، يتم اللجوء فيها الى المحكمة الاتحادية. والسلطة القضائية لا تتأثر بهذه الخلافات وإنما تحكم وفقاً للقانون والدستور، لحل هذه النزاعات.

هل هناك دور لمجلس القضاء الأعلى أو للمحكمة الإتحادية في إقليم كردستان؟

– اختصاص المحكمة الاتحادية يتضمن جميع أنحاء البلاد، بضمنها إقليم كردستان، أما بالنسبة لعمل مجلس القضاء الأعلى في كردستان، فهناك يوجد قضاء إقليمي، كما لا يوجد قانون أو فقرة في الدستور نظمت العلاقة بين القضاء الاتحادي ومجلس القضاء في الإقليم، وهناك فراغ في هذه القضية، ولا يوجد الآن أي ارتباط وظيفي بين مجلس القضاء الاتحادي ومجلس القضاء في الإقليم، أي أن مجلس القضاء في الإقليم مستقل، ولكن هناك تعاوناً بين القضائين بشكل ضمني بالنسبة لتنفيذ الأحكام والتبليغات والأمور القضائية الأخرى،
وكواقع عملي، كان لدينا لجنة تنسيقية واتفاقية بين القضائين تتعلق بالعمل القضائي، وفيما بعد وجدنا أن هذه اللجنة تعدّ حلقة زائدة. لكن على الرغم من ذلك فان العمل القضائي لا توجد فيه خلافات بعكس العمل السياسي، وهناك زيارات متبادلة وتعاون مشترك ينقصه قانون ينظم هذا العمل. وهذا من اختصاص السلطة التشريعية.
القانون الحالي لم يعط للسلطة القضائية صلاحية حق اقتراح مشاريع القوانين، وحددها بمجلس الوزراء ورئاسة الجمهورية وعشرة أعضاء من مجلس النواب، لذلك يبقى الأمر متعلقاً باللجنة القانونية بمجلس النواب، التي تربطنا بها اتصالات وتعاون مشترك، ونأمل من الدورة الحالية أن تسعى لتشريع قانون ينظم العلاقة بين مجلس القضاء الاتحادي ومجلس القضاء في الإقليم.

بعد مضي نحو عشر سنوات على تشكيل مجلس القضاء الأعلى، ما هي ابرز منجزات القضاء العراقي في تلك الفترة؟

– أهم منجز لمجلس القضاء الأعلى هو استقلالية القضاء الذي عانى منذ تأسيس الدولة العراقية من هيمنة السلطة التنفيذية والتدخل في شؤونه وعمله، لكن بعد عام (2003) أصبح القضاء مستقلاً، وبدأت السلطة القضائية تأخذ دورها وأصبح القاضي يتمتع بسلطة حقيقية، ويصدر الأحكام من دون أي تدخل من السلطة التنفيذية، إضافة الى تمتعه بالجرأة في اتخاذ القرار.
وعلى الرغم من ذلك إلا أن هذه الاستقلالية ليست كاملة؛ ولا تمثل كل ما نطمح إليه، بل نطمح لاستقلالية أكبر، لكنها في الوقت عينه وفرت لنا تطوراً في العديد من المجالات منها تطوير القاضي وإدخال التكنولوجيا في العمل القضائي، إذ لدينا الآن مشروع الضبط الإلكتروني، وتم تطبيق هذا المشروع في المحاكم بكتابة الدعوى، واستغنينا عن الورقة والقلم بالحاسبات الإلكترونية واستعمال التكنولوجيا والأجهزة الحديثة، وهناك مرحلة أخرى تتضمن إدارة الدعوى إلكترونياً.
ومن ضمن المنجزات التي تحققت خلال الفترة الماضية، ارتفاع المستوى المعيشي للقضاة، بعد قرار رفع رواتب القضاة وأعضاء الادعاء العام، الذي يمثل قفزة نوعية في المستوى المعيشي للقاضي؛ والذي ازداد أكثر من ثلاثة أو أربعة أضعاف عما كان عليه في السابق.
وأضيف الى ما تقدم، زيادة أبنية قصور القضاء في أكثر محافظات البلاد، واستطعنا أن نستملك أراضي كبيرة بالتعاون مع المجالس البلدية في المحافظات لبناء هذه القصور، فضلاً عن تشييد أول بناية للسلطة القضائية المركزية في العاصمة بغداد، ناهيك عن تشييد قصرين للقضاء في جانبي الكرخ والرصافة، فضلاً عن أن الخطة الموضوعة تتضمن أن تصل الخدمة القضائية لكل مواطن في أبعد نقطة بالبلاد؛ وتكون العدالة في متناول الجميع.
وعلى صعيد ذي صلة، ازداد عدد القضاة في هذه الفترة، إذ كان لدينا قبل عام (2003) (573) قاضياً وعضو ادعاء عام، من بينهم سبع قاضيات، أما الآن لدينا (1503) قضاة وادعاء عام، من بينهم تقريباً (85) قاضية وعضو ادعاء عام، أي أن العدد ازداد بنحو أربعة أو خمسة أضعاف العدد السابق، وهذه جميعها منجزات تحققت بعد عام (2003) وحتى الآن.
أما بالنسبة لموضوع حسم الدعاوى، فربما كنا نسمع بأن الدعاوى تتأخر في محكمة التمييز الى خمس سنوات، أما الآن؛ وبحسب آخر إحصائية؛ فإن محكمة التمييز حسمت حتى أواخر شهر أيلول الماضي ما نسبته (95%) من القضايا، فضلاً عن الدعاوى التي حسمتها محاكم التحقيق، فالمحكمة الجنائية المركزية حسمت حتى نهاية شهر آب الماضي نحو (15) ألف قضية، أما شتى محاكم البلاد الجزائية فأفرجت عن (7080) متهماً، في حين حسمت محاكم الاستئناف (94%) من الدعاوى المعروضة عليها.
وفي معلومة حصرية، أفرجت محكمة التحقيق المركزية عن (380) متهماً خلال الشهر الماضي، وأنجزت نحو (4062) قضية، وأحالت (3001) متهم الى المحاكم.

كيف يتم التعامل مع المتهمين في فترة احتجازهم؟

– هناك قضايا يتم توقيف المتهم فيها يومين أو ثلاثة، فيما هناك قضايا أخرى يُوقف فيها المتهم مدة قد تصل الى أشهر؛ حسب نوعية كل قضية؛ فقد يأتي بمتهم وعليه (11) قضية مثلاً وبشتى الجرائم وخصوصاً تلك التي تتعلق بالعمليات الإرهابية، فبكل تأكيد مثل هكذا قضايا تحتاج الى وقت للتحقيق بها، لأنها تتضمن حقوقاً للمتهم وللضحايا ينبغي الموازنة بينهما.
لهذا فإن القضاء العراقي يوازن بين حقوق المتهم التي يجب الحفاظ عليها، وبين حقوق الضحايا والمدعين بالحق الشخصي، وكل تلك الأمور يتم الأخذ بها خلال عملية التحقيق. ووفقاً لما تقدم، يجب أن يأخذ القضاء وقته بكل قضية لكن ضمن المدد والسقوف الزمنية المنصوص عليها بالقانون.

يجري الحديث عن عمليات ابتزاز أو انتزاع الاعترافات من المتهمين بالقوة من قبل القضاة أو المحققين، هل وردتكم شكاوى أو رصدتم مثل هكذا انتهاكات؟

– نحن لا ننكر وجود مثل هكذا حالات؛ تحدث من قبل بعض الأجهزة التنفيذية القائمة بالتحقيق كضابط الشرطة، لكن هل القاضي أو السلطة القضائية تقف مكتوفة الأيدي أمام هكذا تصرفات؟ بالتأكيد لا. فهناك عشرة ضباط في محكمة التحقيق المركزية تم الحكم عليهم بمدة عشر سنوات لكونهم قاموا بالتعذيب أو ابتزوا المتهم بأموال وما إلى ذلك. فهذه جريمة يقف القضاء أمامها بحزم.

كيف يتعامل القاضي مع المتهم الذي ينكر اعترافاته بكونه تعرض لعنف وانتُزعت منه بالقوة؟

– القانون ألزم القاضي بتدوين أقوال المتهم بحضور محاميه، وإذا لم يكن لديه إمكانية توكيل محام يتم انتداب محام من غرفة المحامين الموجودة في المحكمة وتصرف أجوره من خزينة الدولة، إضافة الى حضور نائب المدعي العام خلال تدوين الأقوال.
جميع تلك الأمور تعدّ ضمانات للمتهم، وفي الوقت نفسه إذا أدعى المتهم بأنه تعرض الى عنف أو تهديد من قبل ضابط معين، يأمر القاضي بعرض المتهم على لجنة طبية متخصصة تقوم بعرض تقريرها فيما بعد، وتسحب الدعوى من الضابط المعني بالتحقيق وتودع في دائرة المحقق القضائي في المحكمة، فضلاً عن فتح دعوى للتحقيق بادعاء المتهم.

دورات تأهيل القضاة، هل هي من اختصاص مجلس القضاء الأعلى أم وزارة العدل؟

بالنسبة لتأهيل القاضي هناك عدة روافد نص عليها قانون التنظيم القضائي، وعلى سبيل المثال المعهد القضائي التابع لوزارة العدل.
أنا شخصياً أتطلع لأن يعدل القانون ويرتبط المعهد بمجلس القضاء الأعلى، لأنه من غير الممكن أن يُعدّ القاضي من قبل السلطة التنفيذية، وهذه ثلمة في استقلالية القضاء العراقي، لذلك قدمنا مقترحات لتعديل قانون المعهد القضائي، وما تزال ضمن أدراج مجلس النواب.

مقالات ذات صلة

التعليقات مغلقة