الأخبار العاجلة

رحلة الهرب من الغرب الأميركي

The Homesman

عبد السادة جبار

غابت أفلام الويسترن (الكاوبوي) عن السينما زمناً طويلاً، بعد أن ظلت إلى فترة السبعينيات مهيمنة على الإنتاج الهوليودي وتصدر لنا الأبطال بسحن ومسدسات وقدرات رماية خارقة وتتلقف السينما الايطالية اللعبة لتشترك في إنتاج أعداد كبيرة منها وعلى أجزاء وتخترع أسماء تعيش في مخيلة المتفرج كأنها شخصيات حقيقية، ولا تجد في هذا النوع قصصاً ذات قيمة فنية أو تاريخية إلا ما ندر مثل “حدث ذات مرة في الغرب” أو “من أجل حفنة من الدولارات” أو “كيوما “.. وغيرها، غير إن تلك الأفلام أثرت كثيراً في المشاهد وقدمت البطل الغربي الأميركي كشاهد على تحقيق العدالة ومنتصر على المجرمين الذين غالباً ما يكونوا قادمين من المكسيك أو من سكان الأرض الأصلية (الهنود الحمر)، وقد أثرت تلك الأفلام علينا مذ كنا صغاراً، والى الآن نجد عدداً من عشاق هذه الأفلام يحتفظون بنسخ قديمة منها ويعدونها أفلاماً لا تتكرر .. تطور السينما العالمية والأميركية على وجه التحديد غيّر الذائقة السينمائية لدى الجمهور لينتقل إلى أنواع جديدة مبهرة من أفلام الحركة والرعب والخيال العلمي والفنتازيا ولم يعد المسدس ذو الست اطلاقات يصلح للمبارزات الالكترونية الحديثة واكتشف المنتجون الأمر وغادروا ذلك.. الممثل “توم لي جونز” يقدم لنا واحداً من هذه الأفلام مستفيداً من رواية كتبها “جيلندون سوارثوت” بعنوان ( رجل المنزل The Homesman ) والتي نشرت العام 1988 ويشترك جونز في كتابة السيناريو ويمثل فيه ويخرج الفيلم بنفسه، لكننا في هذا الفيلم لا نشاهد عرضاً على طراز تلك الأفلام المليئة بالمعارك والبطولات والمطاردات بل قصة إنسانية تصور لنا الغرب الأميركي على حقيقته آنذاك ويقدم لنا جونز فيلماً رائعاً نتابعه معه بحواسنا كأننا نعيش أحداثه برغم الفاصل الزمني الكبير، وجونز يرفض أن يعدّ فيلمه من أفلام الويسترن وقد صنف كفيلم دراما وليس فيلم حركة وهو يؤكد بالقول:” أرى إن كلمة الغرب الأميركي لا تعدّ سوى وصف شكلي لهذا الفيلم لأنهم يرتدون به القبعات الكبيرة، ويركبون الخيول، و الغرب الأميركي التقليدي يعني رحلة رجل إلى حضارة الغرب، لكن هنا يبدو وكأنه النقيض لهذا، فالرجل ومعه مجموعة نساء يسافرون إلى الشرق أي إنهم يحاولون العودة مرة أخرى إلى الحضارة”.
سيناريو الفيلم
تدور أحداث الفيلم في العام 1854 في إحدى الولايات الغربية الحدودية لأميركا، ” ماري بي كودي ” الممثلة (هيلاري سوانك) تعيش في بيتها في “نبراسكا” وحيدة تحرث أرضها بالوسائل القديمة وترتب منزلها، مستقيمة في حياتها، على اتصال دائم بالكنيسة، إذ تكلف من قبل القس بنقل ثلاث نساء أصبن بالجنون نتيجة حوادث مختلفة من الغرب إلى الشرق، ويمكن أن يساعدها أي شخص مقابل مكافئة ثلاثمائة دولار، تهيئ نفسها لهذه المهمة وفي أثناء محاولتها جلب النساء الثلاث تعثر على “جورج بريجز” الممثل (تومي لي جونز) وهو رجل خارج عن القانون تم تعليقه بشجرة لغرض إعدامه تفكه من وثاقه وتعرض عليه أن يساعدها في مهمتها مقابل المكافئة المقترحة فيوافق، ومن هنا نكتشف ذلك التناقض في هذا المسير وتلك المرافقة، وبين هدف كودي وهدف بريجز الذي هو التعامل مع السيدات الفاقدات لرشدهن، الرجل لم يكن أنيساً في الرحلة بقدر ما يهمه الوصول، وكودي تعدّ كل ما يصادفها يجب أن تتعامل معه حسب ما تقتضيه شريعة الرب، فعندما يصادفهم الهنود لا يتوانى عن تسليمهم جواداً تحبه كودي ليكون طعاماً لهم ويتخلص من أسرهم ولا يهمه أن تتألم، إلا أن كودي تصر على مواراة جثة فتاة أخرجها الذئاب من قبرها برغم انه قد تركها وترك لها حصاناً لتلتحق بهم، وهنا تتوه كودي عنهم وتعاني من الجوع والعطش لتعثر عليهم فيما بعد وتستغرب من قسوة قلب هذا الرجل الذي لا يتراجع عن التقاتل مع رجل أراد أن يخطف واحدة من النساء وكاد أن يقتل بريجز لولا تمكن المخطوفة من قتله ببندقية بريجز، تعرض كودي عليه الزواج والاستقرار معها؛ لأنها تملك مزرعة وبيت إلا انه يرفض ولأنها بحاجة الى المعاشرة كامرأة تحاول أن تغويه وحين يستسلم لذلك تشعر هي بالندم، وعندما يستيقظ صباحاً يجدها قد شنقت نفسها، يبحث في أوراقها ليجد نقودها بضمنها المكافأة الموعودة، يحاول أن يترك النساء ليرحل، إلا انهن يتمسكن به وبعد أن يتعرض لمشاكل أخرى يوصلهن الى زوجة القس الممثلة (ميريل ستريب )، يشتري قطعة خشب ليكتب عليها اسم كودي وحذاء نسائي يهديه للعاملة في المطعم ويوصيها بعدم الزواج بشخص يذهب الى الغرب، ويحاول أن يقامر بالمكافأة إلا انه يكتشف إن تلك الأوراق تعود لمصرف زراعي قد أفلس، وهكذا يجمع بقاياه ليعبر مع العابرين الذين يصورهم المخرج كأنهم مجموعة من الفوضويين وهم يتجهون الى الغرب و بريجز يرقص بينهم ثملاً ويطلق النار من مسدسه على الضفة الشرقية.
المعالجة والأصداء
التجربة الإخراجية الأولى لـ(تومي لي جونز) كانت قبل عشر سنوات وقد حصل على جائزة أحسن ممثل عن فيلمه “الثلاث دفنات لميلكياديس استرادا” العام 2005في مهرجان كان، ثم عاد لينافس بفلمه “رجل المنزل ” العام 2013. لقد حقق الفيلم نجاحاً مميزاً ولاقـى اقبالاً كبيراً، وكان محل إشادة الكثيرين، وعدت عودة تومي لي جونز للإخراج بهذا العمل عودة قوية، حيث صور الغرب الأميركي بطريقة مختلفة، فالانتقال من مشهد لمشهد آخر كان يظهر بشكل سهل وبسيط بعيد عن السرعة والتعقيد، وقسّم الفيلم من خلال التصوير الى جزئين أو مرحلتين متباينتين، الأولى صور بها الغرب عبارة عن مكان متصحر موحش وقاسٍ بأبنية كابية كأنها أطلال وأحجار ناتئة بلا خضرة أو مياه، والنساء متعبات يصبن بالجنون نتيجة لتلك الحوادث القاسية بفقدان أطفالهن بفعل الجفاف والجوع. صور تلك الرحلة القاسية للنساء الثلاث “الفاقدات لرشدهن” وكأنه يصف العقلية العامة المرتبكة المهاجرة غير الواعية بصحبة عقليتين مختلفتين، (العقلية المثالية) التي تحلم بالحقول الواسعة ومباركة الرب وبناء الحياة الأميركية الجديدة و” العقلية الذرائعية” التي تقصد الهدف المغري من دون الاهتمام بالوسيلة أو ما يصاحبها، لتنته العقلية الأولى بخيبة الأمل والانتحار وتنتهي الثانية بالعودة الى الغرب حيث الفوضى والعبث واللايقين، وتظل الأمانة في الشرق تحت الرعاية الحذرة إلى ما لا نهاية.

فيلم The Homesman، تمثيل : تومي لي جونز، هيلاري سوانك، ميريل ستريب
سيناريو واخراج : تومي لي جونز

مقالات ذات صلة

التعليقات مغلقة