السينما ومهمة التغيير

كاظم مرشد السلوم

استطاعت السينما وخلال عمرها الممتد لأكثر من مائة عام من مواكبة الأحداث الاجتماعية والاقتصادية والسياسية التي يمر بها العالم، وكانت أفلام شارلي شابلن مثل “حمى الذهب” وغيرها من أوائل الأفلام التي تفاعلت مع تلك الأحداث متناولة إياها بالنقد، طارحة في الوقت نفسه لحلول افتراضية كثيرة، من خلال أدواتها المتمثلة بعناصر اللغة السينمائية الصورية والصوتية. ولم تتخلف السينما العربية عن ذلك فكان هناك العديد من الأفلام التي أشرت وبشكل واضح للخراب والفساد السياسي والإداري لأنظمة دكتاتورية تسلطت على رقاب الشعوب العربية لعقود عدة. ولعل أفلام مثل “الكرنك”، و”زائر الفجر”، و”العصفور” وغيرها، تعد الأكثر جرأة في تناول هذه المواضيع، ويعد فيلم يوسف شاهين الكبير “عودة الابن الضال” من أهم الأفلام التي أسهمت في ذلك، فعلي رمز للمثقف الثوري المنهار، وعليوة رجل السلطة والمال، في حين حسونة رمز الطبقة العاملة، وابراهيم وحبيبته رمز للشباب الذي يريد أن يغير كل شيء ويطمح إلى الحرية مثل بقية شباب الأرض، الأب رمز لوطن تتقاذفه الأهواء ويأمل بالتغيير من خلال أبنائه، كل ذلك طرح من خلال رمزية دلالية عميقة سواء عبر قصة الفيلم أو الأغاني التي رافقته، فأغنية “الشارع لنا لينا لوحدنا والناس الثانيين دول مش مننا”، تلك الأغنية التي رددتها عصافير يوسف شاهين، تلك العصافير الثورية التي وقفت في وجه الرجعيين والانتهازيين، برغم إنها لا تملك شيئاً يحميها سوى ريشها وبضعة أعشاش بسيطة، عصافير كثيرة الشبه بعصافير الله، لكنها تختلف عنها كونها لاتهرب أو تدير ظهرها للخطر، بل هي عصافير تواجه وتقاوم لتنتصر في النهاية وهي تردد “الشارع لنا لينا لوحدنا”، إذن هي نبوءة السينما بأن من يمتلك الشارع هو من يمتلك القرار ويستطيع البناء وإزاحة الأنظمة الدكتاتورية، فيلم شاهين هذا أثار غضب الرقابة ولم تسمح بعرضه لفترة طويلة، حيث حاول الرقيب قتل الفيلم من خلال حذف العديد من المشاهد التي يعتقد إنها تسيء للنظام الحاكم بسبب ما تضمنه من إشارات واضحة تشخص بؤر الفساد في نظام مستبد ورجعي، وهي كذلك فعلاً، ولكن شاهين أصر على بقائها وكان له ما أراد، فكان أن أدان نظاماً طالما رفع شعاراً يدعو للقتل وسفك الدماء ومازال العرب للأسف يرددونه إلى الآن وهو “بالروح بالدم نفديك يــــــــا ….”. يوسف شاهين وضع هذا الهتاف على جدران قذرة، ليستبدله بأغنية معبرة “هي الشارع لنا لينا لوحدنا والناس الثانيين دول مش مننا”. وفعلاً امتلأت ساحات الدول العربية بشباب استطاعوا إسقاط أنظمة قمعية عديدة، واشتغلت السينما على ذلك وأنتجت العديد من الأفلام التي تساند التغيير مثل 18 ، الطيب والشرس والسياسي، ومولود في 25 يناير وغيرها كثير، لكن فعل التغيير هذا سُرق منهم، واستولى السياسيون عليه، ليظهر خراب جديد، وفساد، واغتيالات، وطائفية ، ومحاصصة، والسينما مطالبة الآن بإنتاج أفلام سينمائية ترصد ذلك وتدينه، وربما تسهم وبشكل كبير في تغييره.

مقالات ذات صلة

التعليقات مغلقة