الأخبار العاجلة

الزعامات المدمرة

شعوب الشرق عموما، والآسيوية منها خصوصا تحب الزعيم “المطلق” حب “الزعيم الرمز” بين هذه الشعوب تكاد أن تكون فكرة سماوية طاهرة. الأسباب تتعلق بتكوين هذه المجتمعات الفكرية والحضارية والاجتماعية. هي بملخصها تقوم على تقديس الزعيم كونه يتمتع بصفات مقدسة تفوق صفات البشر العاديين. ربما ينجح هذا الخيال البشري في الكثير من الأحيان والأزمان التي مرت بالتاريخ السياسي القديم، بيد أن هذا المفهوم أصبح متخلفا بالمعايير السياسية الحديثة ضمن الاطر الديمقراطية المتعارف عليها.

الرعيل الأخير من هؤلاء الزعماء “المقدسين” غاندي الهند، ونيلسون مانديلا الجنوب أفريقي ومارتن لوثر كنج الأميركي الزنجي. وقع هؤلاء الزعماء بمرتبة القدسي نتيجة نضالهم الشخصي الواقعي وبرائتهم الشخصية وعفتهم الذاتية ونضالهم الشرس المتواصل حتى الموت على طريق الحق. إنهم أشبه بالأنبياء والمرسلين من السماء إلى الأرض لتخليص البشرية من أدران الغبن والاضطهاد والعبودية. في الواقع أنهم بشر مثلنا، لكنهم يتمتعون بالإرادة الحرة واليقين بالحق بحرية أوطانهم وأناسهم ومجتمعهم الغني والثر والمتنوع الأعراق. هكذا هم الأنبياء الحقيقيون دوما. الأنبياء لا يعترفون بالتفرقة بين البشر على أساس الدين. رسالتهم السماوية هي رسالة أرضية: أحبوا بعضكم البعض. أحبكم عند الله أتقاكم. لا فرق بين عربي وأعجمي إلا بالتقوى. وعلى هذا النسق الواضح تمشي الأديان جميعها بنسخها القديمة ولوائحها المدونة.

بلغت الأمة العربية ذروة بهجتها وعنفوانها القومي عندما تسلم الرئيس المصري جمال عبد الناصر زعامة مصر، وبعدها زعامة الوطن العربي من المشرق إلى المغرب. وتقدس الزعيم عبد الناصر من قبل الشعوب العربية المتعطشة للزعامة المطلقة. ولم يكن يفصل جمال عبد الناصر عن أي فرعون مصري سابق سوى بأدوات التعبير السياسي الجديدة. أنا من الأشخاص المعجبين جدا بشخصية جمال عبد الناصر الكارزمية التي لم تفسح المجال بطغيانها الفطري خلق أي زعيم عربي آخر يضاهي هذه الشخصية الفذة. بيد أن هذا الزعيم أتخذ من القرارات الخاطئة ما دمر الأحلام الجميلة للشعوب حتى ركع أخيرا مجللا بالهزيمة والعار والدمار. قبلها دمر مفهوم الوحدة العربية عن طريق استعباد سوريا في ما سمي بالوحدة العربية. ومن الأخطاء الجسيمة الأخرى محاربة الزعيم العراقي الوطني الحر عبد الكريم قاسم في ثورة العراقيين الأولى ضد الطغيان والجبروت الغربي في 14 تموز 1958. وضع الزعيم عبد الناصر نفسه بموضع “القائد المطلق” وتشير الكثير من الدلائل إلى تعاون عبد الناصر مع السي آي أي وبوسيلة عراقية خائنة لوطنها من عناصر حزب البعث العراقي للإطاحة باشرف زعيم وطني أنجبه العراق الحديث. ذهب الزعماء الكبار فماذا ننتظر من الزعماء الصغار؟

علي عبد العال

مقالات ذات صلة

التعليقات مغلقة