السّلام العنيد

السّلام أقوى بندقية على وجه الأرض، ولكن من أين نشتري له الذخيرة الأخلاقيّة؟ الظلام قد حلّ. ثانيا، الوقتُ متأخّر!
اليوم، يُباشر العراق والمنطقة، لحظة «انفجار عاطفي» غير مسبوقة؛ بالنظر إلى موضوع الصراع من جهتي الوصف والتّعريف، ومن جهة المرجعيّات الكامنة التي تعمل على تحريكه من الأعماق، فضلا عن السّطوح.
إنّ التشاؤمَ لا يقف عند حدّ توصيفِ أننا نتحرّك في فضاء بركة راكدة، بل يتعدّى ذلك إلى الخطر النّاجم حول قصة اختفاء فاعليّة خطاب التنوير في ظروف غامضة، وضمور حفنةٍ من مراكز المدن العربيّة التي كانت بمثابة قلْبٍ يدقّ بالحداثة والتقدّم. وللوهلةِ الأولى ستبدو عملية تفسير هذا الانهيار ذات مسارات مُختلفة من قِبل الماسكين بمقود التأويل في المنطقة من الذين لايقلّون تضليلا عن «جنرالات المتاهة» من كل صنف ولون! ومن الذين يرتفعون في المشهد العام مع كلّ تقليعة صراع تضرب المنطقة كآخر صيحة.
ننتقل حاليا بأزامتنا من طبيعة صراع إلى آخر، ونحمل تلك الأزمات كحقيبة ظهر مُلازمة. وها نحن نعبُر من لحظة الصراع الأيديولوجي، إلى الطائفي برشاقة ونلعب لعبة واقع الحال الكبرى: الانقسام.. الانقسام بمعناه التاريخي، والجغرافي، والثقافي… ويتكثف كل ذلك تحت سقف لحظتنا الخطرة؛ حيث يتحرّك الجميع في تحت غيوم الجفاء المذهبي عبر الإطاحة بكلّ الأساسات التي شُيّدت فوقها بيوتُ التنوع. والتنوع حاليا جميل؛ فقد أخذ الأفراد -بحثا عن ربط مايجري بتفسيرات معقولة- يتحدثون إلى أنفسهم في الشوارع كالمجانين كما يقول «سيّاف الزهور» السّوري، محمد الماغوط!
وبالنظر إلى الفهرسة الصّراعيّة التي مرت بها المنطقة يبدو الأمر كما لو أننا في أزاء خلطة قادمة من كيمياء تلك الفهرسة وتتحدّد حاليا في الضريبة القاسية لحركة مجتمعاتنا وهي تنخرط طوعا أو قسرا في عجلة «النظام العالمي الجديد»، من دون مُمهّدات انخراط.
ولكن هذا النظام العالمي الجديد، يجبرنا على أنْ نثق به كقوة خالصة خالية من شوائب الأزمات، فضلا عن أنه يحمل في جعبته أجمل هدية عيد ميلاد لملايين وملايين الضحايا على الأراضي العراقية، والعربية الذين يتساقطون في طوابير دموية طويلة محشورين بها للحصول على عُلبة الدّيمقراطية المُغلّفة بالشريط الأحمر. الحروب تأتي وتذهب لكنّ السلام لم يُجرّب رياضة المشي هذه. فنحن نخوض في تاريخ حروب وليس تاريخ سلام. وبحثا عن سلامنا العنيد نتذكّر شاعرنا السياب في نصه «أمام باب الله» وهو يُناجي:
«…تعبتُ من صراعِيَ الكبيرْ
أشقّ قلبي أُطعِمُ الفقيرْ
أُضيء كوخَهُ بشمعةِ العيونْ
أكسوه بالبيارقِ القديمهْ
تنثّ من رائحةِ الهزيمهْ
تعبتُ من ربيعيَ الأخير..»!
ميثم الحربي

مقالات ذات صلة

التعليقات مغلقة