أخيلة الرغبة*

سلام ابراهيم

همدت الأصوات في الباحة. أصبح لوقع الأقدام الحافية حفيف خفيف، ولتردد أنفاسه المضطربة، فحيح يتدّور حلقات، في الصمت، في سكونه العميق المترسب أسفل آجر الجدران. سينطفئ مصباح الباحة بعد لحظات، لتسقط حلكة ماحقة تجعله لا يميز أصابعه، حلكة سرعان ما تحتشد بحفيف الأغطية، بالهمس الأنثوي الناعم. ستهمد الأصوات لحين، ثم يتعالى حراك كعراك يجري في بحر الفراش، مصحوب بتمنع غنج، وخوار فحولي مكتوم. سيتسلل ضوء القمر الخافت. سيكتم لهاثه المتصاعد مع شدة اللهاث المتأجج القادم من قعر الباحة. يحتدم، يتوتر وآهات أنثى متقطعة، آهات تمتزج فيها اللذة بالألم، آهات تخترق سكونه الحجري، فيتلظى بسعير الأحشاء النابضة. يصل التوتر أشده، يستيقظ حيوانه النائم، يشهر الحجر خنجره. سيمتطيه وينسيه حاله، يصير جذوة مضطربة تحبو على أغبرة الفراش، يتطّوى الحجر الحي رافعاً قامته رويداً.. رويداً بأناة وحذر شديدين، يقترب من الفجوات الأربع. فجوات الفضة الحالكة. سيطل بعينيه المتحجرتين متفرساً في الباحة الغارقة بظلال القمر، يضّيق حدقتيه مركزاً على الكتلة المعتمة المتحركة، مستدلاً بالأصوات الخافتة المتقطعة المنطلقة من حراك الكتلة، يستلذ متتبعاً آهة، أنة مكتومة، تردد ضربات كف مبسوطة على فخذٍ مصقول، همس غزلٍ مكشوف. سيجهد ناظريه المفتوحين مستعيناً بالذاكرة، فيتجسد في احتدام الكتلة فخذي بنت العمة البيضاوين، الممتلئين في التفافهما حول ظهر الزوج العاري. سيحتقن، ينمحق. سيطبق فخذيه بقوة على نتوئه العنيد، الرامح، خارق الحيطان والظلال، والتائق إلى التماهي في الكتلة اللحمية العارية المشتبكة في عراكها الصاخب. سينتبه إلى وميض عينين خلف النافذة.. سيتجسد أمامه عريها القديم، الدامي، وهي ترتمي على جسد زوجها الراقد في تجويف خشبته بموضع فراش الكتلة المحتدمة نفسها. سيصطلي بمزيج من المشاعر المتناقضة، شعورًا بالذنب مخلوطًا بشهوة عارمة، سيعض شفته السفلى كابتاً صرخة لوعة تكاد تنفلت، والجسدان العاريان يتدحرجان بعيداً عن البلاط نحو رقعة بلاط منارة بضوء القمر، فيما الزوج يهذي عن رغبته في إكمال المضاجعة في الضوء. سيحرز في ما تبقى من أيام العمر ذلك المشهد الساحر. المؤخرة اللدنة، البيضاء في ارتجاجها وهي تتدحرج على البلاط. الهمس المضطرب والآهات المتحولة إلى صرخات تصدر عن اشتباك السيقان والأذرع والأصابع العابثة في الخصر والنحر وأسفل الأفخاذ والمؤخرة والنهد والبطن. سيسقط تحت منافذ القمر الأربعة، مبتل الوسط، محطماً، خائراً، عاجزاً، يشعر بالخزي والعار. ستلبث أشلاؤه منثورة في الظلام ساكنةً يستولي عليها روح الحجر وطبعه. سيبقى ريثما يسقطون في النوم. سيلعن نفسه مراراً.. يزدريها. يتناول جرعة ماء وكسرة خبز وتمرة، ويقسم بأنه سيكف عن هذه الإطلالة الآثمة.
همدت الأصوات في الباحة. تلاشى آخر همسٍ في السكون. حاول أن يسيطر على وقع أنفاسه المتسارعة بسحب شهيق عميق بهدوء، ونفث الزفير بهدوء أشدَّ. انطفأ الضوء. عمَّ الظلام أول لحظة، ثم سرعان ما بهت بتدفق أربعة شلالات من الفضة. قدر من وهج ضوئها أنه تام الاستدارة، كما أن الزوج طلب من عمته إزاحة دريئات نوافذ القبة الزجاجية، معنى ذلك أن الليلة ستكون أشدَّ من عسيرة، وهو الذي أقسم بروح أبيه على التحجر هذه المرة في موضعه وتجاهل ما يجري في بئر الباحة. أتى الحفيف المخيف والهمس المتمنع الغنج. حشا أذنيه بإبهاميه، فتعالى ضجيج الأحشاء النابضة داوياً في تحجره الصامت. قاوم مخيلته الطافحة بمخزونها عما يجري تحت، في نهر الفضة الغاسل حواف الثقوب. قاوم الرغبة المحتدمة في الزحف والإطلالة على الجسدين اللذين سيتعريان بعد لحظات. تجّلدَ بالضغطِ على فجوتي السمع المرهف القادر على سماع مقدمات الغزل الناعم المتحول لاحقاً إلى غزلٍ بذيء يسمي الأعضاء الحميمة بأسمائها في طقسٍ بدائي يجعله يقشعر، ثم يشتعل صاعداً هابطاً، متأججاً منطفئاً، فيتأرجح على حافة الجنون. قاوم غواية مياه القمر اللامعة المتدفقة من فتحات الإرسي الأربع مضيئةً ترمس الشاي، أكياس البراز، صحون الطعام، وآنية البول عريضة الفوهة. انفصل عن الجدار المقابل للفتحات. استند على ركبتيه، واستدار تاركاً الضوء خلف ظهره. أنشأ يحملق بالعتمة ساداً أذنيه سداً محكماً، هوى في صخب جسده. لا يدري كم من الوقت ظل ضائعاً في ضجيج أحشائه. خدّره ذلك الكون السري الهادر تحت الجلد والقائم قيامة الإنسان، والمنسي، وفكر لِمَ لمْ ينتبه سابقاً لكون أحشائه في انشغالها الدؤوب على مدار الساعة. لا يدري كم أمضى في رحلته الجديدة، حينما شعر بالجدارين يتباعدان، وجسده ينزلق ببطء على أرضية من بلور. ينزلق ملاحقاً همساً بالكاد يُسْمَع يناديه باسمه، همس أنثوي يدعوه للقيام. أستخرج أصابعه من خرمي أذنيه. طلع من دوي الأحشاء الضاجة، وأصغى متتبعاً ذيول الصوت المنزلقة على الانحدار الأملس الذي أنفتح أمامه بالجدار.
ـ تعال.. تعال.. تعاااااال!.
همس يجر الألف جراً، بدا أكثر وضوحاً هذه المرة. انتفض بكل جسده راغباً بالخروج من هذه الاستيهامات واختلاط الأخيلة والأمكنة والأصوات. وجد نفسه يظاهر ثقوب القمر في حلكة الإرسي الباهتة، لكن صوت الأنثى الهامس يدعوه للنهوض.. راح يتعالى.. ويتعالى صادراً من مكان قريب جداً، وكأنه خلف الباب.
ـ تعال.. تعال.. تعال!.
اجتذبني الصوت الآسر. تلفتُ حوالّي. مازلت في المكان نفسه. في ليل خميس، وهذه عدتي مصفوفة في الفسحة الضيقة المحصورة بين الفراش والجدار. أصبح النداء متصلاً يأتي من جهة الباب. لكن من تكون؟. وإلى أين تريد بيّ؟. وكيف لي أن أتحرك؟.
ـ قم.. قم!.
لهجة آمرة فيها سطوة، لهجة سعّرتْ رغبتي وفضولي. لكن أين تقف هذه المنادية الغامضة، فخلف باب الصفيح فسحة ضيقة وسلالم أضيق تنزل نحو الباحة، وأربع أخرى تصعد نحو السطح. أتكون صبية من صبايا الجيران اللواتي يعرفنني جيداً، رصدتْ وجودي من دون أن أدري. صبية أشعلها الليل بنزواته الحمقاء الطاغية، ودفع بها إلى عبور أسوار السطوح الناصية المتلاصقة، للوصول إليّ. أطربني الخاطر بما يعد به من مباهج لذاتٍ وأسرار. لم يزل النداء الهامس يتردد. حزمت أمري منفصلاً عن الجدار. بركت على ركبتي، حبوتُ نصف قائم على قطن الفراش المغبر. وجدت الباب بعيداً. أخذني العجب وامسكني الريب. كيف نأى، وصفيحه الصدئ يلامس أحياناً قدميّ عند النوم. اتكأت على راحة كفي ونهضت. ازداد ريبي والسقف الخفيض وجدته عالياً، حينما لم أضطر للانحناء كي لا يصدم قمة رأسي، فرفعت ذراعي من دون أن أبلغ آجره المتآكل. أسرعت نحو مصدر النداء الغاوي. لا أدري كم قضيت من الوقت حتى بلغت الباب. وجدته على حاله. الهمس يتدفق واضحاً من ثقوب الصفيح. سحبت المقبض الخشبي الصغير. لم يأز الباب، بل انفتح بيسر عكس كل مرة. وطأت الفسحة الضيقة التي سرعان ما اتسعت بينما بقيت السلالم الصاعدة والنازلة على ضيقها. النداء الهامس يأتي من فجوة السلالم النازلة إلى الباحة، معنى ذلك أن صاحبة النداء ليست من صبايا الجيران، ففي الباحة يرقد الضيوف وعمتي. تلكأت قبل أن أضع قدمي على الدرجة الأولى. فمن موقعي أستطيع رؤية طرف من الباحة المضاءة بالفضة المنسكبة من السماء. سكنتُ بين الدرجة الأولى والثانية متوجساً مما قد يحدث لو أستيقظ من في الباحة. الصمت الصلد محشود بنغمة الأنثى المختبئة في المسافة بين السلالم والجدران وحامل المبردة.
ـ لا تخفْ.. لا تخفْ.. أنزلْ!.
هبطت على السلالم المنخورة. أنقل خطوي الحذر ببطء شديد. وقبل أن أصل نهاية السلالم وجسد المبردة الساد مدخلها، وجدتني أنحرف، بأثر الصوت، في ممرٍ محفورٍ بالجدار الأيمن لم يكن موجوداً أصلاً.
ـ تعال يا بعد روحي.. تعال!.
نبرة أمومية دافئة، تبث حنيناً شجناً، لها وقع صوت أمي تارة، ووقع صوت أنثاي البرية بالغة الفتنة والغواية في أخرى. مزيج فريد يتلون في الصوت القادم من عمق الممر الضحل الذي أفرزني من شقٍ في نهايته، فوجدت نفسي في متاهة صخرية معقدة التضاريس. أقفُ عند حافة خيوطٍ صخرية كثيفة تنحدر من مرتفعٍ خطوطه شلالاتٌ من الضفائر الصخرية تتموج في ضوء خافت ينبعث من أمكنة خفية.
ـ تعال.. تعال!.
مفردة تهبط عليّ من التل. تسلقت بيسرٍ برغم نعومة الصخر، فأطللت من جبهة مستوية تمتد مسافة على تضاريس شاسعة. تذكرت أطلاله مثل هذه من فوق قمة جبل ـ قرة داغ ـ. كنت مرهقاً، أتسلق جبلاً أول مرة وجواري كان يقف مذهولاً من بساط ـ شهرزور ـ الأخضر، ـ كريم مهدي عبود ـ الذي التحق معي بالثوار. عببت هواء القمة النقي بعمق. وشعرت بالحرية بعيداً عن الحرب ورجال الأمن، وكنت أظن بأنني بلغت مرامي من الدنيا. وقفتُ مذهولا أرمق آماد المتاهة الصخرية، ثم انحدرت لأتيه في دروبها والصوت الغاوي تواري في صمت الصخر. هبطتُ إلى مشاحيف صخرية شاسعة لها شكل العيون. تشبثت بأهداب. انزلقت على سطح خدود ناعمةٍ. تقلبتُ على جمر شفاه مكتنزة. هبطت من سفوح إلى امتداد ألسنة طرية زلقة. وقعت من أحناك صخور مختلفة الأشكال إلى أعناق تلعاء. أحسست بالتضاريس تنبض وأنا أتشبث بحلمة تلٍ كي لا أنزلق إلى وادٍ عميق محصور بين تلين. ضعت في منخفضات كالبطون، في فناجين سرر، وفي خواصر ضامرة أقع من حافتها إلى هاوية شق يفصل كفلي صخرتين. أهبط على صخور مستديرة كأفخاذ، وأعانق نتوءات كأقدام. أسقط من أصابعها إلى ضفائر شلال صخر فاحم. أتسلق من جديد إلى إطلالة الجبهة المستوية، لأجوبُ أرجاء المتاهة، علنّي أسمع صوتها أو أعثر على الممر الذي أفضى بي إلى لعبة الشعر والوجه والعنق والصدر والبطن والفخذين والقدمين والسقوط من أصابعها إلى نقطة البدء. وجدتني أصرخ بعدما أهلكني الدوران:
ـ أين المخرج يا إلهي؟!.
لم يخرج صراخي. وجدتني معقود اللسان. أأكون في باطن كابوس؟!.. تلمست جسدي قطعة.. قطعة. أيقنت من وجودي ووقفتي فوق سطح الجبهة المستوية الشاسعة. أطلتُ الوقوف شبه عاجز، فما الفائدة من هذا الجوبان المفضي إلى نقطة البدء في كل مرة. أحسستني سأتحجر خلف حزمة دغلٍ صخرية تحدد مسافة الجبهة. وتمنيت التحجر ونسيان كل قصتي بتفاصيلها.
ـ تعال.. يا بعد روحي.. تعال!.
أيقظني الصوت من هاجس التحجر. انحدرت خلفه هابطاً من جديد في وهاد وسفوح وشقوق وقمم التضاريس. وفيما كنتُ أنتشل جسدي من تدوير فنجان السُرَّة الصخرية الواسعة الساحرة، سمعت الصوت الحميم المثير يأتي من فوهة نفقٍ معتم. ولجته. غمرني الظلام. سقفه يكاد يمس رأسي. أخوض بأحشاء الحلكة. أمدّ ذراعي أمامي فتضيع في مجاهل الفراغ. لم أدخل هذا النفق مرة في ضياعي بشساعة المتاهة الصخرية. ظللت أقلبُ أرواح الظلام الهائمة إلى أن اصطدمت أصابعي بجسدٍ صلبٍ يسد النفق. تحسست سطح الحاجز، صفوف نتوءات حجرية لها ملمس المعدن، تتقاطع طولاً وعرضاً. وفي موضع سُرَّةْ الحاجر تَدَوَرَ في راحة كفي مقبض. حاولت تحريكه، فتدور نحو اليمين. شعرت بالحاجز يتزحزح. دفعته، ثمة أثر ضياء باهت يلوح في البعيد. عبرت العتبة، ألاحق بعيني المتحجرتين ارتعاش الضوء الخافت. جددتُ في السير حتى بلغت سواحله. ورحت أخوض في وحل نورٍ رث لا يضيء بل يزيد من بهمة النفق الذي ابتدأت جدرانه بالتباعد، وسقفه بالارتفاع. وبعد مسافة انبثقت من جانبي أضواء بدت أول الأمر مثل بقعٍ أخف دكنةً. أضواء قمرية، فجرية، نارية، بنفسجية تتسلل من ثقوبٍ بحجم نصف آجرة تمتد على مسافات منتظمة على طوال الجدارين،مئات المنافذ على اليمين، مئات المنافذ على اليسار. تعبت من العَدِّ.
ـ أدخلت متاهة أخرى يا إلهي؟.
مازال الهمس الأنثوي يفح وكأنها تسير لصقي واضعة فمها على فتحة أذني. الهمس.. الهمس.. المهلك أخذ بالتذاوي مع تصاعد أصوات مختلطة طفت من قعر الفتحات الواطئة أسفل الجدارين. أصوات متداخلة مزيج من غنج الأنثى وخشونة الفحل في حوارٍ غامض يسبق فعل الخوض في الأحشاء. حوار تحول إلى طقطقة عظام، صرخات خافتة، ارتطام جسدين، ضربات كف مفتوح على طراوة لحم لدن، ثم تعالى الخوار والصراخ.. أشعلت كياني ملايين الآهات. أغرقتني بفيضها المنهمر من ثقوب الآجر الملونة. لم ينفع ردم خرميّ أذنيّ بأصابعي. طفقت بالصراخ متوتراً. صرخت.. صرخت مقاوماً رغبة ماحقة في الانحناء نحو ثقبٍ لرؤية ما يجري. قاوَمتُ بضراوة، وأنين اللذة تدفق وكأنه أبدي. قاومتُ حتى سقطت مجهداً جوار ثقبٍ. بركت في بحر الصراخ المضني. بركت مثل متصوفٍ إزاء ربه. أطللتُ على قعر سرداب يضج في الآهات والأنين. رأيت الكتلة العارية المكورة المتقلبة المطلية بنور ثلاثة فوانيس معلقة في الزوايا. كتلة تطلق أصوات بدائية مختلفة النغمات. تتوحد في المجهول. تلتف. تنبسط. تنتصب. والأذرع في زحمة الصراخ والعراك انشطرت إلى أضعاف عسيرة العد. تصعد إلى ناصية سرير قصير القوائم. تسقط من الجهة الأخرى. رأيت بوضوح وجه بنت عمتي الصاعقة الجمال في تجليه لحظات اللذة. حسدتُ زوجها الأملس الوالغ في أحشائها. يذهبان في تقلبهما إلى الأركان البعيدة، إلى الظلال المبهمة. يظهران من جديد في المساحات المضاءة. يتكتلان بشدة. كتلة صارخة تنحدر لتغيب في زاوية السرداب عن ناظري. تصيرني مجنوناً. أدفع رأسي. أحشره في ضيق الثقب. أفشل في رؤية الكتلة الصارخة النازفة في ركن مستحيل بلوغه من ناحيتي. أنتصبُ مهرولاً في نفق اللذة الهادر. أبرك جوار ثقبٍ مقابل. أطل من جديد على الكتلة الممتزجة في عناق ليس له مرسى، في لحمة لا فكاك منها. أتبدد في مهرجان الجسد. أتمدد متوتراً، شاهقاً في سماء فراغي، صارخاً مثل منارة جامع أبان الأذان. تتحجر عيني على الكتلة الآسرة في تضاريسها المسفوحة العارية. أهناك معنى لبلوغ ذروة ما في هذا الجنون الهادر في سراديب الضوء التي أتنقل بينها كلما اختفت الكتلة في الزاوية العصية؟. أهناك معني والذروة قائمة في صراخها الدائم بلا زمن؟. عندما حانت مني التفاتة نحو جدار السرداب المقابل ارتعدت. كانت عينان خضراوان تطلان على المشهد، تنقل نظراتهما العاصفة بيني وبين العري الصارخ المسفوح. سقطت في التباس الأمكنة والمعاني متسـائلاً:
ـ أين أنا؟!. وما متاهة اللذة هذه؟!.
حشرت أصابعي بأذني، وانطلقت بأقصى ما أستطيع، ركضت.. ركضتُ.. حتى النفس الأخير في امتداد العتمة المضاءة من أسفل بأضواء المنافذ، هارباً من سعير الجسد المجنون، إلى أن وجدت نفسي في فسحة دافئة، رطبة وكأن جدرانها من اللحم الساخن الحي. فسحة أطللت منها على فضاء مساحة حميمة، حانية تنتهي ببناء مكورٍ يبدو خفيضاً من الدكة التي أقف عليها. حدقت بالجدران فطالعتني عشرات العيون المحدقة صوبي. عيون واسعة شبقة تحاصرني في الصمت ودفء المكان، وتدفعني دفعاً نحو شقٍ ضيقٍ بنتوء المبنى المتكور وكأنه امرأة تحضن وليدها. امتصني الشق الرطب، وألقاني في باطن عنق صخري يبدأ ضيقاً، ثم يشرع مع كل خطوة بالاتساع. لملمس جدرانه طراوة اللحم المبتل. إنسرحت في التجويف مسترخياً، أتأرجح على حافة السكرة وعبق روائح أمومية، شهوانية يهب من العمق السائل الحار. روائح هي خليط من رائحة حضن أمي وجسد حبيبتي العاري الملتصق بعريَّ في ليل السرير. رسوتُ جوار عمود من أعمدة، تحمل سقف قاعة تشكل جوف الشكل المكور الذي رأيته من على الدكة قبل الدخول. جوف حميم، نابض، مضاء بأنوارٍ خافتةٍ تتسلل من مشاكٍ مخبوءة بالزوايا والأركان وزخارف الحيطان والسقف. نور يسيل وكأن القاعة غاطسه في قاع بحرٍ. نور هو خليط من زرقة البحر ونصاعة النزف. حدقت في السلالم القصيرة المؤدية إلى دكه واسعة تتوسط التجويف. حدقت في الصمت، في النصب الحجري المنحوت بامتداد ناصيةٍ تنبثق من مركز الدكة، قضيب حجري مدور يرتفع عدة أمتار، وفي أسفله تتلوى حلقات مختلفة السمك تضغط على جدار القائم المنتصب، فيبدو للرائي أكثر توتراً. سحرني النصب. أطلت التحديق فتراءى لي نصباً من لحمٍ حي لزجٍ حار جعل حيواني الغافي يستيقظ مستعيداً لحظة الإيلاج في ذروة الاحتدام، وذلك الضغط الفريد لعضلة الفرج الخبيرة بلحظة المحق عند الوصول إلى الناصية الخاطفة اللافظة الفريدة. أمسكت بوسطي الموجه فوهته نحو النصب الذي شرع بالتحرك والدوران على إيقاع صراخ وآهات جعلتني أنتبه إلى دكة مستديرة أسفل النصب. وجدتها محشودة بالبشر العراة. يتماوجون في سوائل الأضواء النارية المنصبة من مشاعل يتراقص وهجها على طلاوة النهود والأفخاذ والمؤخرات. حشدٌ متكتلٌ يفترق زوجاً.. زوجاً على البلاط الناعم السائل. احتقنت وتراً مشدوداً محبوساً جوار فخذ العمود الطري. تحولت مجرد قضيب أتمايل على إيقاع الأجساد في اتساقها مع هزهزة النصب المترجرج بالصراخ المتلون الصادر عن الكتل العارية المتألمة النازفة في عراك لبلوغ الناصية المحيرة. كنت أهتز ولم يوقفني سوى دهشة أخذتني من وتري إلى الوجوه المنغمرة باللذة والتي استطعت تشخيصها عند تدحرجها في البقع المضيئة البعيدة عن ظلال النصب، وجه أمي وأبي، أعمامي وزوجاتهم، أخواتي، النسوة اللواتي حلمت بالنوم معهنّ. مهرجان من نسوة أحلامي الحميمات في طفولتي ومراهقتي. توترت من جديد، توهجت. أحسست بجسدي يبثق ناراً. انفصلت عن فخذ العمود الساخن وتقدمت نحو الدكة المستديرة الصارخة المهتزة أبغي الذوبان في الكل. تقدمت عارياً وكأنني أغوص في قاعٍ لزجٍ. وما أن وطئت حافتها حتى أحسست بدفقٍ من سوائل لزجة يجرفني بعيداً ويلقيني في العماء.

*فصل من رواية “الإرســــي” التي صدرت عن دار “الدار” في القاهرة العام 2008.

مقالات ذات صلة

التعليقات مغلقة