الأخبار العاجلة

بحيرة الطفولة

هذه رواية اعيد روايتها رواها لي في الاصل صديق عاش طفولته في الحي المدني من معسكر الحبانية ولما كبر انتمى الى احد الاحزاب اليسارية وناضل ضد النظام الدكتاتوري ثم رحل مع الراحلين الى المنافي حتى توفي هناك وهذه تحية له .
قال الجلاد لامه ان تحبس شقيقه الاصغر في البيت ولا تدعه يذهب الى البحيرة ، الصبي وجد نفسه محاطاً بهذه العزلة الثقيلة وازدادت عزلته حين علم ان اصدقاءه ذهبوا الى البحيرة العظيمة وتركوه وحده ، اخذ الصبي يتوسل امه ان تدعه يخرج من سجنه وكانت امه ترفض ذلك خشية ان يعود شقيقه الاكبر فيشبعه ضرباً .
وحين وجدت الام ابنها الصغير يطلق عويله مثل ذئب جريح رق قلبها وقالت له بانها ستسمح له بالذهاب الى البحيرة على ان يعود قبل مجيء شقيقه الاكبر من العمل .
خرج الصبي وكأن طائراً انطلق من قفصه ، كانت البحيرة تبعد عن ( بلدتهم ) مسافة ثلاثين ميلاً ومع ذلك قرر الصبي ان يقطع كل تلك المسافة وحده من دون خوف ، والمحزن انه لم يكن يملك حذاءً يحميه من تلك الاشواك المنتشرة على الهضبة العالية ، وقف ينظر الى تلك التلال التي تناثرت على سفوحها الاسلاك الشائكة وكأنها عفاريت كالتي كانت امه تروي عنها في قصصها المرعبة المسلية ولكن الصبي كان قد نشأ مع اشجار التوت والرمان والتفاح ولم يكن يعرف الخوف الا بعد انتقاله الى المدينة الكبيرة التي عدها مصنعاً لانتاج الخوف والكآبة والاحزان وهي تختنق بالكذب والغدر والخيانة وتقتل براءة الانسان ،
اندفع وتسلق التلال حتى صار فوق الهضبة واخذ يجري حافي القدمين وغداة مدة رأى ذلك المدى الازرق يمتد امام باصرته ثم اخذ يتدحرج من المنحدر وهو ينظر الى ذلك الشاطىء الجميل ولم ير احداً يحتل رماله الدافئة اذ بدا مهجوراً الا من طيور النورس .
تملكت الصبي وحشة مريرة وهو يكتشف غياب الاصدقاء ، قال مع نفسه – ( جئت وسالقي بنفسي في هذا الحضن الازرق) ، بعد برهة تراكمت عليه الاحزان وجلس يبكي ومن يومها شعر ان ثقباً كبيراً قد انحفر في قلبه وروحه ، وفجأة رأى الصبي راعياً عجوزاً وهو يقود قطيعاً من الاغنام فسأله الصبي ان كان قد رأى فتياناً جاؤا الى البحيرة فقال الراعي بأنه رأهم يستقلون شاحنة عادت بهم الى البلدة ، ومن يومها ظل الصبي يحمل ثقباً في قلبه وصار يعيش وحشة لا شفاء لها .
صادق باخان

مقالات ذات صلة

التعليقات مغلقة