الأُسلوبية.. القلب النابض للإنزياحات

«آخرون قبل هذا الوقت» لكمال سبتي

كريم ناصر

الصِيَغ اللغوية والسرد المعياري
يتفرّد الشاعر الراحل كمال سبتي في قصائده بخاصية جوهرية استثنائية تسمح للغة السردية أن تصنع الدلالة وتخترق صيرورتها، وهذا يكفي للشعر أن يحتفظ بمادة المعنى في الصيغة السردية الشعرية خلافاً للمقتضيات التعبيرية التي تستنتج مدلولاتها من معنى الجملة، ومهما يكن مدلول المفارقة يظلّ السرد الفعل المُهيمن الذي يمسك بمقتضيات الدلالة وبالتحديد بالمعنى المعبّر عنه شعرياً..
وهكذا تغدو الوحدات الشعرية المتشظّية خطاً بيانياً لتجسيد الصورة المثلى في كلّ مستوياتها.. يستلزم الشعر هنا سلسلة مترابطة من الوحدات الدلالية لتؤلّف شكل القصائد، ويمكن أن تتبلور المفردات المتشظّية شيئاً فشيئاً كمتوالية هندسية منتظمة، فالتعابير اللغوية المتعاقبة بمختلف صياغاتها تمثّل حينئذ انزياحاً تركيبياً خالصاً بسمات أدبية.

لن نسعى هنا إلى شرح بديهيات السرد، بل يجب علينا كما هو الشأن في التحليل النقدي أن نقدّم البدائل لخلق موازين دلالية لنكشف بجلاء مآل الشعر، فالصِيَغ اللغوية لا ريب تقتضي سرداً معيارياً، ولا يمكنها بحال الانفصال عنه، كما تدلّ على ذلك البنية الشعرية أو الصياغة الناجعة للسيَر، أو المناجاة الفردية monologues سيكون كلّ ذلك لرصد الوقائع وجعلها عناصر محمّلة بدلالات، وهذا النزوع نفسه يُنبّئ عن انحيازه لجدلية شعرية تبدو ظاهرة لتكون معياراً..
ولتوضيح هذا الأمر أكثر نستطيع أن نبرهن على صحّة تأويلنا، فالسرد إذاً يصبح من المُهيمنات الأساسية في عملية توليد المعاني، ومما له دلالة أنَّ الوحدات المكوّنة للشعر تظلّ بالضرورة مفتوحةً للتأويل ولا تستلزم قيوداً في أكثر الأحوال:
«أستعينُ بنفسي أرمّمُ بيتاً من الخشب،
لي ريفٌ أيضاً» ص10
«أستعين بأمّي ما كان البيتُ يتهدّم،
تخرجُ سحابةُ الموتى من النافذة» ص11
«أستعين بأبي ما كان البيتُ يتهدّم،
لبثنا وقتها حيارى فلم نسأل عن قدم الكاهن» ص15
(مكيدة المصائر)
نحن لا نرى في مفردة السرد مثلبة تمسّ وحدات النصوص ما دامت تنهل من شعرية الأشياء، لأنّ السرد في النتيجة يسهّل التعبير عنها بانسيابية، لكن مع ذلك لا نتردّد في وضع اليد على شيء من البديهية السردية، ولكن نحن لا نراها اعتباطية، فكثيراً ما تفرض التراكيب الشعرية سياقاً ما لإقامة توازن معياري ينتمي إجمالاً إلى الشعرية ولا يكون خرقاً لها، فلا يعدو السرد في الواقع مذهباً غايته هوسٌ مطّرد، إذ إنَّ كلّ شعر يتفرّد بسحر أُسلوبه، ودلالة ذلك أنَّ الشاعر لم يفرض سياقاً مناقضاً لروح الشعر، ومكمن الفرق هنا تحقيق حتمية شعرية من شأنها أن تجعل النص مفتوحاً على خاصية لغوية تزدهر مع الشعر بقوّة لا توصف.

التمزّقات البشريّة وتصوير المأساة
صحيح أنَّ التراجيديا قد تقوّض محاسن الحياة، وتسعى إلى هدمها في الأخير، لكنَّ هذا لا يمنع من تسليط الضوء على جوهر موضوعها التدميري لتغدو فكرةً يعالجها الشعر، ويهمس بها الشاعر ضمن سياقها المعهود.. وستكون صورة التراجيديا مبتسرة من منظورنا، إذا لم يحفر الشعر في كينونتها، ويكفي الشاعر أن يستخلص تأويلها من بنية اللغة بوصفها معياراً لسماتها الأُسلوبية.
يدلّنا الشاعر كذلك على ظواهر عامة في الواقع المعيش، ويزوّدنا بتفاصيل يمكن بواسطتها فهم ما يجري من متغيّراتٍ درامية ونفسية واجتماعية تجسّدها المأساة وتصنعها الوقائع المرّة، وتكوّن فصولها الأحداث السوداوية، فما دامت الوظيفة الرئيسة للشعر= تحقيق الدلالة، والغاية التي يسعى إليها الشاعر= الإنزياح، فالمعاني في هذا الاطار لا ريب تجلٍّ من صرامة لغوية.. إنّنا نلاحظ القيمة الدلالية ضمن ميكانزم تمثّل الذات الإنسانية المنكسرة محسوسه التعبيري، وهكذا يتحقّق المعنى الشعري بفضل أُسلوبيته، وتنمو البنية الشعرية من صلب العلاقة الجدلية، وما يخالف ذلك يعدو تعسفاً لا يمثّل الشعر ولا يندرج في إطاره:
«أخرجُ من هذه المدينة أو أدخلُ أخرى وحيداً
فقد تنكّر لي كلُّ من عرفت
كلٌّ قال للسحرةِ أهلاً، وغنّى معهم بثيابِ العرسان،
وكلٌّ ارتدى قناعَ الحديد ليحرسَ جثّتي» ص19 /20
(مكيدة المصائر)
ويرسم الشاعر مستوىً آخرَ من الدلالة في هذه الجملة الدرامية:
«ما صدّني أحدٌ عن موتي في السريرِ المدمّى،
والسحرةُ الجوّالون هلّلوا لحفلِ ليلهم» ص19
(مكيدة المصائر)

اللغة ومستويات الإنزياح
مهما كانت القيمة الدلالية محتفظة بتميّزها الجوهري، فإنَّ من الضروري أن تمسك اللغة بجوهر المادة الشعرية، وتحافظ على مستواها الدلالي، هذا فاللغة بطبيعتها تكوّن الخاصية الأساسية لكلّ عمل أدبي نوعي، وفي المقابل لا يمكن أن نعالج صورةً شعرية تخلو من مقوّماتها اللغوية، فكيف يمكن أن نفسّر صورة نمطية مبتسرة لا نرى فيها صيغة لغة محسوسة معبّرة في أقلّ الأحوال لضمان قيمتها في سياق ما هو شعري؟ فكلّ صيغة تعبيرية نمطية إنّما تكرّس منهجاً يؤدي الى إضعاف الشعر، وهذا الأمر بالتاكيد لا ينطبق على أُسلوب الشاعر كمال سبتي بوصفه معارضاً لهذه النمطيّة التعبيرية ومنافياً لمنهجها.
فلنتأمّل الأبيات الآتية:
«هي عادةُ التفسيرِ أن أتسمّعه
فأعرف أنَّ لي في الحكاية سريراً مدمّى تحرسهُ أقنعةُ الحديد» ص10
«أشهرُ الكفّ عالياً فأنعم بسكوتِ النوم عن الكلام،
ورأيتني أقول لقبرٍ:
المدينةُ لا شكلَ لها أنا شكلها» ص17
«ميناءُ ذلك البحرِ ما كان باباً إلى فضائلي» ص19
(مكيدة المصائر)
«أصنع قواربَ ورقيّةً وأحرقها،
يهربُ مني بائعُ الجواهر « ص46
(آخرون قبل هذا الوقت)
قد تكون الصِيَغُ السرديّة ظاهرةً معمّمة تسمح للغة الشعرية بالإنفتاح على عناصر حكائية بديهية نظراً لتنوّع مستويات الحكاية الشعرية، وهذا ما يناقض مبدأ الشعر عموماً، فقد يلزم اللغة في هذه الحالة انزياح ينمو مع الوحدات المكوّنة للمعاني، ولو بطريقة تحقّق بعض جزئياته.. صحيح أنّنا لم نلمس نموّاً مبدئياً في مستويات الانزياح، لكنّنا نجد في الوقت نفسه تقنيناً أُسلوبياً ينمّ عن قدرة هائلة على ترويض جموح الجملة السرديّة لتتحوّل بقوّة إلى جملة شعرية متماسكة دلالياً، فالأُسلوبية تمثّل القلب النابض للإنزياحات اللغوية، ما دامت السمة الأساسية = توليد المعاني، وبهذا تكمن وظيفة الشعر في معانيه المتجسّدة في سماته الأُسلوبية انزياحاً وتاويلاً ونهجاً، وليس في إطار فرضية السرد نفسه:
«الجسدُ رمادٌ
أعلى من الحياةِ قلبي وأعلى من كلِّ مقبرة» ص34
(حكاية في الحانة)
«رأيت الريحَ تحملُ خريفها،
والمطرَ ينصتُ لي بفكاهةِ الماضي» ص26
(حكاية في الحانة)
وبمجرّد ما تنفتح الوحدات الشعرية على السياقٍ اللغوي السردي، فإنَّ التراكيب الشعرية تسعى في المقابل بالصرامة نفسها لإثبات وجودها لتبقى ضمناً مرهونة بمدلولاتها العميقة، وليست الإستعارة الأدبية إلّا استنتاجاً يدلّ على تقوية جوهر الفن وتوسيع معانيه..
«ليس شيءٌ أحقّ بطولِ سجن من لسان» ص50
(آخرون قبل هذا الوقت)
ولنلاحظ كيف تضمن السيَر السرديّة سلامة المعاني، ومثل هذه السيَر لا تتردّد أن تجد قوامها في السمات المكوّنة للإستعارة كما استوضحنا ذلك سلفاً، أو في السمات المكوّنة للمونولوجات الداخلية للأحدب مثلاً أو للعجوز أو للشاعر، وما يُشجّعنا في كشف دلالاتها إنّما الوعي اللغوي أي الأُسلوبية الملحوظة في الإحالات الشعرية، ولكي تتحقّق الشعرية، فمن المفيد أن تحتفظ بشيء من الأسلوبية، ولا يكمن الجمال في الشعر إذا ما خلا من إنزياحات لغوية تنظّم طبيعته مهما كانت درجة قوّته البنائية.

سيرورة العالم الشعري
ليست الصورة الشعرية ضرورةً حتمية أو أثراً تاريخياً في مقابل الهيمنة اللغوية السرديّة التي تكوّن أجزاء القصائد، وهذا لا يعني قطعاً أنّنا نطعن في فكرة الجمال ما دامت جماليات اللغة في مجموعها تتحقّق في المعاني الدلالية، يجب أن نفهم أيضاً أنَّ الصورة الشعرية المذكورة لا تعدو مرجعاً أدبياً لتفسير ملموسية الأدب، فالشاعر يتحكّم بمسار أُسلوبيته التي ترجع بالضبط إلى تشظّي الانزياحات اللغوية، وتكرار اللعبة الشعرية دليلٌ على هذه الانزياحات..
وهذا ما يفسّر أنَّ التكرار الشعري يلفُّ سياق الخطاب ويغلّفه بمسحة حزن، وكأنّه تيه أدبي يجسّد ظاهرةً تراجيدية، لكنّ شيوعه يمثّل ضرورة لاستكمال دورة العالم الشعري وتكملة المعاني، ونستطيع أن نكتشف في صلب كلّ قصيدة مفتاح لازمةً شعرية، وكما الحال في (مكيدة المصائر) مثل:
«السحرة مثل ربيع غاب طويلًا/ وزهور برية/ قبر»
ونجد في (حكاية في الحانة) لازمة المؤرّخ أو الجسد رماد، وكذلك نجد في (آخرون قبل هذا الوقت) لازمة الخاتم اللغز وما يلي ذلك عملية اجترار المفردات مثل:
«لا أرى سجني/ أو أنا وصاحباي وذكريات/ أو ولا غريب سواي/ أو مدمن ذكريات» إلخ..
ثم نجد في قصيدة (البلاد) لازمة في كلّ مفصل من مفاصلها مثل:
«يصهل حصانك يا أمير/ وحصان الذهب والفضة يا أمير/ وماتت الحكمة وضاعت الحكمة/ والتراب خائن/ والماء خائن/ الوجه خائن/ والكلام خائن»
نحن سنأخذ بهذا المنهج لأنّنا نعرف سلفاً أنَّ الدراما الإنسانية صيروةٌ لا تنفك تنمو في التفاصيل الوجدانية المحسوسة.

مقالات ذات صلة

التعليقات مغلقة